حوار وترجمة: محمد الشاربي
غونزالو فرنانديز باريا، حاصل على درجة الدكتوراه في الدراسات العربية والإسلامية من جامعة مدريد المستقلة، وحاصل على الإجازة في فقه اللغة العربية والإسلام من نفس الجامعة.
شغل منصب مدير شعبة الدراسات العربية والإسلامية وبرنامج الماستر في الدراسات العربية والإسلامية المعاصرة (جامعة مدريد المستقلة). كما تولى سابقًا إدارة مدرسة توليدو للمترجمين.
وهو مترجم ومؤلف للعديد من المقالات في مجلات إسبانية وعالمية، بالإضافة إلى أعمال مثل “إلى جنوب طنجة: رحلة عبر ثقافات المغرب” (2022) و”الأدب المغربي المعاصر” (2006). وهو منسق سلسلة “ذاكرة البحر الأبيض المتوسط”.
تدور اهتماماته البحثية الرئيسية حول الأدب العربي، والمغرب، وتاريخ الترجمة من العربية إلى الإسبانية، والعلاقات الإسبانية-المغربية.
في هذا الحوار مع جريدة “مارس30″، يناقش المستعرب والكاتب الإسباني غونزالو فرنانديز باريا مواضيع مهمة مختلفة: بداية ارتباطه باللغة العربية، الأندلس، الأدب العربي، الترجمة، العلاقات الإسبانية-المغربية، رواية “إلى جنوب طنجة: رحلة إلى ثقافات المغرب”، إلخ.
– أنت حاصل على درجة الدكتوراه في الدراسات العربية والإسلامية من جامعة مدريد المستقلة (إسبانيا).
حدثنا قليلاً عن بداية ارتباطك باللغة العربية.
– كانت أولى تجاربي مع اللغة العربية في الجامعة. اكتشفت، أثناء دراستي للغة العربية، أن جدّي وجدّتي لأبي كانا على دراية بأساسيات اللهجة المغربية من خلال إقامتهما في مناطق مختلفة من المغرب خلال فترة الحماية، حيث قضيا هناك عدة سنوات.
كانت بداية ارتباطي بالعالم العربي من خلال المغرب. تلك الرحلة الأولى، التي أتحدث عنها في كتابي “إلى جنوب طنجة.. رحلة إلى ثقافات المغرب”، كان لها أثر بالغ في حياتي.
– هل ما زال هناك اهتمام بـ”الدراسات العربية والإسلامية” في إسبانيا؟
– بالطبع، هناك اهتمام بالدراسات العربية والإسلامية. لم يكن هذا الاهتمام واسع النطاق، لكن دائما كان هناك طلاب مهتمون.
أعتقد أن مستقبل الاستعراب مرتبط بقضيتين أساسيتين. الأولى هي متابعة الأحداث المأساوية التي تقع في المنطقة، وخاصة في فلسطين. والثانية هي المغرب.
– كيف ترى الوضع الحالي للغة العربية في إسبانيا؟
– لا يمكن مقارنة اللغة العربية باللغات الأوروبية الأخرى؛ لكنها، بالطبع، تُدرّس في معظم الجامعات وفي معهد اللغات.
يوجد باحثون يهتمون باللغة العربية ولهجاتها، وهناك مبادرات مثل الجمعية الإسبانية لأساتذة اللغة العربية (https://sedla.org/)، التي من بين أهدافها الرئيسية “تعزيز ودعم تدريس ودراسة اللغة العربية في إسبانيا وأمريكا اللاتينية”.
كما يوجد أيضا مترجمون أكفاء من العربية إلى الإسبانية.
– بشكل عام، كيف ينظر الإسبان إلى الثقافة العربية والإسلامية؟
– عادةً ما تكون النظرة الإسبانية للثقافة العربية والإسلامية مليئة بالصور النمطية والمفاهيم الخاطئة، ومن هنا تبرز أهمية الدراسات التي نقوم بها.
يتمتع طلابنا بنظرة مختلفة للعالم العربي والإسلامي بفضل المعرفة والمعلومات التي يمتلكونها.
– فيما يخص تاريخ الأندلس، لماذا لا يريد بعض الإسبان الاعتراف بالإرث الكبير الذي تركه المسلمون في شبه الجزيرة الإيبيرية؟
– هناك بعض الإسبان تنقصهم المعرفة بشكل كبير، بل ربما عميان، إن لم يستطيعوا رؤية عظمة قصر الحمراء أو مسجد قرطبة أو جمال الكلمات الإسبانية ذات الأصل العربي، مثل كلمة “azulejo” (الزليج). ولكن هناك أيضاً إسبان مغرضون يقومون، لأسباب سياسية وأيديولوجية، بتشويه التاريخ والواقع والتلاعب بهما.
– في عام 2022، نشرتَ رواية بعنوان “إلى جنوب طنجة: رحلة إلى ثقافات المغرب”. ما الذي اكتشفته خلال هذه الرحلة إلى الثقافات المغربية؟
– الرحلة التي أرويها في هذا الكتاب هي، بطريقة ما، رحلة شخصية عشتها. في جنوب طنجة هناك المغرب، وقد تشكل جزء كبير من حياتي – المهنية والفكرية والشخصية – في المغرب.
في جنوب طنجة، يوجد أناس رائعون. ربما أردتُ، بطريقة ما، أن أردّ بعضًا مما منحني إياه هذا البلد وشعبه على مدى هذه الأربعين عامًا. والأهم من ذلك، الصداقة والمودة التي غمرني بها الكثيرون.
– بصفتك متخصصًا في مجال الترجمة من العربية إلى الإسبانية، كيف تقيّم الترجمات الأدبية التي تُجرى بين العربية والإسبانية؟
– أُقدّرها تقديرًا كبيرًا. إنها كنز. يوجد في إسبانيا مترجمون بارعون من العربية إلى الإسبانية. للترجمة سحرها الخاص، والترجمة من العربية تُعدّ سحرًا أعظم، إن جاز التعبير.
يوجد في المغرب أيضًا باحثون بارزون في الدراسات الإسبانية ومترجمون من الإسبانية إلى العربية.
– ما الذي يمكنك إخبارنا به عن الرواية في العالم العربي عمومًا وفي المغرب خصوصًا؟
– كما هو الحال في الآداب الأخرى في العالم، وصل ازدهار الرواية وتألقها إلى الأدب العربي أيضًا.
خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين، أصبحت الرواية من أكثر الأجناس الأدبية رقيًا ومكانة، مُنهيةً بذلك هيمنة الشعر التي دامت قرونًا. وقد حدث الأمر نفسه في المغرب.
إن كتابي، الموسوم ب “الأدب المغربي المعاصر: الرواية والنقد الأدبي”، يتحدث عن هذه المسألة بالضبط.
– كيف تُحلِّل العلاقات الحالية بين المغرب وإسبانيا؟
– العلاقات بين المغرب وإسبانيا متينة للغاية، وفي الوقت نفسه حساسة بشكل كبير. فهي دائمًا ما تكون مُعقَّدة ومُتناقضة. في كتابي “إلى جنوب طنجة”، أتحدث عن تقاربٍ متناقضٍ وبعيد، وعن هويةٍ مختلفة، وعن العلاقات الإسبانية-المغربية التي تتسم دائمًا بعمق المشاعر، وأحيانًا بالاستياء. ورغم كل شيء، فإننا نعيش عصرًا ذهبيًا على مستوى العلاقات الثنائية.
علاوة على ذلك، تظهر فضاءات جديدة تتجاوز الفضاءات الوطنية الضيقة في بعض الأحيان ومفهوم العلاقات الثنائية نفسه، خاصة بفضل الجالية المغربية المقيمة في إسبانيا.
– ما الذي ينبغي القيام به لتعزيز العلاقات الثقافية بين المغرب وإسبانيا؟
– نحتاج إلى مزيد من التعليم، ومزيد من الثقافة، ومزيد من الجامعات، ومزيد من الفرص للشباب.
– ما الدور الذي يمكن أن يلعبه المستعربون الإسبان في بناء جسور التواصل بين شبه الجزيرة الإيبيرية والعالم العربي-الإسلامي؟
– المستعربون هم وسطاء طبيعيون، وجسر مهني وشخصي بين هذين العالمين.
وهم أيضًا من يُوصلون صوت العالم العربي داخل إسبانيا، من خلال الترجمة أو حضورهم الإعلامي.
– حدثنا عن علاقتك بالمغرب؟
– زرت المغرب كثيرا. لا أتذكر بالضبط عدد المرات، ربما عشرات أو مئات المرات. كما كتبتُ في روايتي “إلى جنوب طنجة”: “مرّت سنوات عديدة منذ تلك الرحلة المضطربة عبر مياه المضيق الهائجة. ومنذ ذلك الحين، سافرتُ إلى المغرب مراتٍ لا تُحصى”. لا أستطيع تحديد عدد المرات بدقة. لكن أستطيع أن أؤكد لك أنني سأسافر إلى المغرب قريبًا، وأنني دائمًا ما أخطط لرحلة نحو المغرب.
– أخيرًا، ما هي الرسالة التي تودّ توجيهها للقارئ الإسباني والعربي؟
– أقول للقراء الإسبان: اقرأوا الأدب العربي، واقرأوا الأدب المغربي.
وأما القراء العرب فأقول لهم: تحياتي.