20 يونيو 2026 / 00:12

بيت الصحافة

خوان كارلوس: «أشعر أنهم يسرقون تاريخي»… لماذا كسر الملك صمته وكتب مذكراته؟ (14)

مارس 30 - 18 مارس 2026

توفيق سليماني*

في هذه الحلقة الرابعة عشرة من السلسلة التي تنشرها Mares30 خلال شهر رمضان، والمستمدة من كتاب «Juan Carlos I: Reconciliación» (خوان كارلوس الأول: المصالحة)، نقترب من واحدة من أكثر اللحظات دلالة في هذا العمل، حيث يكشف الملك الإسباني السابق خوان كارلوس الأول السبب الحقيقي الذي دفعه إلى كتابة مذكراته، رغم أنه نشأ على قناعة راسخة مفادها أن الملوك لا يكتبون ولا يعترفون ولا يكشفون أسرارهم.

يستحضر خوان كارلوس منذ البداية نصيحة والده التي ظلت ترافقه طيلة سنوات حكمه، إذ كان يردد عليه أن «الملوك لا يكتبون مذكراتهم» وأن أسرارهم «تُدفن في ظلام القصور». غير أن هذا المبدأ، الذي التزم به طويلا، بدأ يتآكل مع مرور الوقت، خاصة بعد تنازله عن العرش سنة 2014 لصالح ابنه الملك فيليبي السادس، في سياق تصاعد حملات إعلامية وسياسية ضده، لم تعد، في نظره، مجرد نقد مشروع، بل تحولت إلى ما يعتبره «تشويها ممنهجا» لمساره.

وفي هذا السياق، يقدم خوان كارلوس مبرره الأساسي بعبارة قوية تختزل موقفه بالكامل: «أشعر أنهم يسرقون تاريخي». بهذا التعبير، يعلن بشكل صريح أن ما دفعه إلى الكتابة ليس الرغبة في السرد أو التوثيق فقط، بل الحاجة إلى استعادة روايته الشخصية، بعد أن امتلأت الساحة بسير وكتب، يرى أنها قدمت «تأويلات خاطئة وحقائق مزيفة» حول حياته ودوره في تاريخ إسبانيا الحديث.

ويقر الملك السابق بأن استهداف الشخصيات العامة أمر طبيعي، بل يعتبره «ضريبة» لا مفر منها، لكنه يميز بين النقد المشروع وبين ما يراه هجوما يتجاوز شخصه ليطال المؤسسة الملكية نفسها، التي يصفها بأنها «الدعامة الديمقراطية للعرش في إسبانيا». وفي هذا السياق، يذكر بشكل واضح أنه دافع عن هذه المؤسسة «أمام السلاح» خلال محاولة الانقلاب العسكري في 23 فبراير 1981، وأنه ناضل من أجل ترسيخ ملكية دستورية حديثة، اجتماعية وأوروبية.

ولا يتردد خوان كارلوس في توجيه انتقادات مباشرة لجهات سياسية متعددة، من اليمين المتطرف إلى اليسار الراديكالي، مرورا بالأحزاب الشعبوية والتيارات الاستقلالية والانفصالية، متهما إياها بمحاولة تقديم الانتقال الديمقراطي الإسباني كما لو أنه حدث بشكل تلقائي «وكأن التاريخ يسير وحده في الاتجاه الصحيح». ويرد على هذا الطرح بتأكيد حاد مفاده أن هؤلاء أنفسهم ما كانوا ليتمتعوا بحرية انتقاده اليوم له «لو لم نقاتل ضد الرياح والتيارات من أجل تحقيق تلك الحرية»، يتأسف الملك.

ويعيد  التذكير بسياق سنة 1975، واصفا إسبانيا آنذاك بأنها كانت «آخر معقل الحكم الاستبدادي المطلق في الغرب»، مشددا على أن خطر اندلاع حرب أهلية ثانية بعد وفاة الجنرال فرانكو كان «حقيقيا جدا». ومن خلال هذا الاستحضار، يسعى إلى تفكيك الرواية التي تقلل من تعقيد المرحلة، ويؤكد أن الانتقال الديمقراطي لم يكن نتيجة حتمية، بل مسارا محفوفا بالمخاطر.

كما يقدم صورة عن إسبانيا التي نشأ فيها جيله، باعتبارها بلدا «منغلقا على نفسه، متخلفا في بنياته التحتية واقتصاده، ومهملا من قبل محيطه»، قبل أن تتحول، في غضون أقل من جيل واحد، إلى دولة حديثة مندمجة في الفضاء الأوروبي. ويعتبر أن هذا التحول لم يكن صدفة، بل نتيجة عمل جماعي مستمر، كان هو جزءا أساسيا منه.

وفي واحدة من أكثر المحطات إثارة، يؤكد خوان كارلوس أن هذا المسار يمثل «عمل حياته»، وأنه كتب هذه المذكرات لشرح هذا العمل والدفاع عنه، مشيرا إلى أن أولويته كانت دائما «ضمان استمرارية واستقرار المؤسسات السياسية»، حتى بعد تنازله عن العرش.

ويضيف في سياق إبراز دوره أن «مصيره ارتبط بإشعاع إسبانيا على المستوى الدولي»، في إشارة إلى الدور الذي لعبه في تقديم صورة جديدة للبلاد خارجيا، بعد عقود من العزلة مع الديكتاتور فرانكو. معلومة مهمة: الملك لا يصف في العمل فرانكو بالديكتاتور. الملك لديه نظرة أخرى وتقييم شخصي لشخصية فرانكو. سنعود لهذا في مقال آخر.

ولا يخلو الكتاب من تحذير واضح، إذ يربط الملك السابق بين ما يحدث اليوم في إسبانيا وبين السياق الدولي، مشيرا إلى أن الديمقراطية تعرف تراجعا في عدة مناطق من العالم، مقابل صعود السلطوية والشعبوية، وهو ما يجعل، في نظره، من الضروري التذكير بأهمية الحفاظ على المبادئ الديمقراطية. ويؤكد في هذا الإطار أن «لا شيء مضمون»، وأن المؤسسات التي تبدو قوية قد «تهتز تحت ضغط سياسيين بلا ضمير، يضعون مصالحهم الشخصية فوق مصلحة بلدانهم».

بهذا المعنى، لا تبدو مذكرات خوان كارلوس مجرد شهادة شخصية أو محاولة لتصفية الحساب مع منتقديه، بل تأتي، كما يقدمها هو نفسه، كجزء من معركة أوسع من أجل استعادة الرواية التاريخية للانتقال الديمقراطي الإسباني، والدفاع عن الدور الذي لعبه في تلك المرحلة، في مواجهة ما يعتبره محاولات لإعادة كتابة التاريخ من خارج سياقه. الملك يرفض أن يزيف تاريخه. وعليه قرر أخذ الكلمة: الكتابة.

التصنيف : اسبانيا تحت مجهر مارس30