توفيق سليماني*
في هذه الحلقة التاسعة من السلسلة التي تنشرها مارس30 خلال شهر رمضان، نعود إلى كتاب «Juan Carlos I: Reconciliación»، «خوان كارلوس الأول: المصالحة»، لرصد شهادة جديدة ذات صلة بالمغرب داخل مذكرات ملك إسبانيا السابق خوان كارلوس الأول، حيث يستعيد جانباً من بدايات علاقته بالمملكة المغربية وبالملك الراحل الحسن الثاني، كما يتوقف عند أول ظهور للملك محمد السادس في ذاكرته، حين كان ولياً للعهد وطفلاً في الثانية عشرة من عمره.
ويكشف خوان كارلوس الأول أن خيوط التواصل الأولى مع المغرب تعود إلى سياق سياسي بالغ الحساسية، إذ يربط تلك المرحلة بظرف المسيرة الخضراء في الصحراء المغربية سنة 1975، قبل أن يشير إلى أن الملك الراحل الحسن الثاني أوفد نجله، ولي العهد آنذاك، إلى حفل اعتلائه عرش إسبانيا، في نونبر 1975.
ويقول في هذا السياق: «كما سبق أن رويت، فإن أولى اتصالاتنا الهاتفية، التي جرت في السياق المتوتر للمسيرة الخضراء في الصحراء الغربية، تعود إلى سنة 1975. وقد أرسل ابنه ذا الاثني عشر عاماً إلى حفل اعتلائي العرش الاسباني. وأتذكر ذلك الصبي، الرشيق والحكيم، وسط العسكريين ورؤساء الدولة الإسبان».
وتبرز هذه الشهادة أن الملك محمد السادس دخل مبكراً إلى واجهة العلاقات الرمزية بين المغرب وإسبانيا، ليس فقط باعتباره ولياً للعهد، بل أيضاً ممثلاً للمؤسسة الملكية المغربية في لحظة مفصلية من تاريخ إسبانيا السياسي. فاستحضار خوان كارلوس لهذه الصورة بعد عقود يعكس أن حضوره في ذلك الموعد لم يكن تفصيلاً بروتوكولياً عابراً، بل مشهداً ظل راسخاً في الذاكرة.
كما يولي ملك إسبانيا السابق أهمية خاصة لعلاقته بالملك الراحل الحسن الثاني، معتبراً أنها أسهمت في تخفيف كثير من التوترات بين الرباط ومدريد. ويكتب بهذا المعنى: «إن علاقتي الخاصة بالملك الحسن الثاني، ملك المغرب، أسهمت في تليين كثير من مظاهر التوتر بين بلدينا الجارين… وفي سنة 1979، خلال أول زيارة رسمية لي إلى المغرب، تعرّفت إلى أفراد الأسرة الملكية كافة. وقد أدهشني ذكاء الملك الحسن. وتحدثنا بحرية كبيرة باللغة الفرنسية. ومع مرور الوقت، كنا نتواصل بشكل سلس ومباشر، بعيداً عن مظاهر الأبهة والرسميات في البلاط المغربي. وقد منحت صداقتنا الاستقرار للعلاقات الثنائية».
لم يتحدث خوان كارلوس فقط عن علاقة رسمية بين رئيسي دولتين جارتين، بل عن رابط شخصي وسياسي في الآن نفسه، بني على الثقة وعلى القدرة على التواصل المباشر في ملفات شديدة الحساسية. كما أن عبارته الواضحة، «أدهشني ذكاء الملك الحسن»، تحمل دلالة قوية على المكانة التي كان يحتلها الملك الراحل الحسن الثاني في نظر محاوريه الدوليين، ليس فقط بصفته قائداً سياسياً، بل أيضاً باعتباره رجل دولة يمتلك حنكة وذكاء في إدارة القضايا المعقدة.
وتكتسي هذه الشهادة أهمية خاصة لأنها ترد في سياق مذكرات شخصية، لا في خطاب رسمي أو تصريح دبلوماسي عابر، ما يمنحها قيمة إضافية في فهم كيف كانت تُبنى جسور العلاقة بين القصر الملكي المغربي والمؤسسة الملكية الإسبانية في مراحل دقيقة من تاريخ البلدين. كما أنها تضع الملك محمد السادس داخل هذا المسار منذ سن مبكرة، في وقت كانت فيه التحولات الإقليمية والملفات الثنائية الكبرى تفرض على المملكتين الحفاظ على قنوات تواصل مستقرة.
ومن خلال هذه الصفحات، يقدم خوان كارلوس الأول صورة مزدوجة عن المغرب داخل ذاكرته السياسية والشخصية: صورة ولي عهد صغير حضر حفل التتويج ممثلاً لوالده الملك الراحل الحسن الثاني، وصورة ملك مغربي راحل ترك فيه أثراً عميقاً بذكائه وبأسلوبه الخاص في بناء علاقة ساهمت، بحسب تعبيره، في استقرار العلاقات الثنائية بين المغرب وإسبانيا.