توفيق سليماني
في إطار السلسلة الخاصة التي تنشرها جريدة مارس30 خلال شهر رمضان من كتاب مذكرات الملك الإسباني السابق Juan Carlos I: Reconciliación، “خوان كارلوس الأول. المصالحة”، نسلّط الضوء على بعض المقاطع التي تتناول المغرب والعالم العربي والعلاقات الدولية، في محاولة لقراءة هذه الشهادات من زاوية تاريخية وسياسية.
في هذه الحلقة، يتوقف الملك خوان كارلوس الأول عند إعجابه بأسلوب الملك الراحل الحسن الثاني في إدارة الملفات الحساسة والتعامل مع القضايا السياسية المعقدة، مؤكداً أن إحدى النصائح التي تلقاها منه ظلت راسخة في ذاكرته واستفاد منها لاحقاً في تعامله مع قادة العالم.
ويشرح الملك الإسباني السابق في مذكراته أن الحسن الثاني كان يفضل أحياناً مناقشة القضايا الصعبة في أجواء غير رسمية، بعيداً عن المكاتب والبروتوكول، وهو ما يفسر، في رأيه، تعلق العاهل المغربي برياضة الغولف التي كانت تمنحه فرصة للحديث مع ضيوفه في ظروف أكثر هدوءاً.
ويكتب خوان كارلوس في هذا السياق، مستحضراً إحدى النصائح التي تلقاها من الملك الراحل: «علمني الملك الحسن الثاني من المغرب أمراً مهماً: من الأسهل أن ترفض طلباً لشخص ما وأنت تمشي معه، من أن تفعل ذلك وجهاً لوجه وأنت قابع خلف حيطان مكتب» (ص 358).
ويعني ذلك، كما يشرح الملك الإسباني، أن النقاش أثناء المشي أو في فضاء مفتوح يسمح بقدر أكبر من المرونة والهدوء مقارنة بالاجتماعات الرسمية المباشرة خلف المكاتب.
ويضيف خوان كارلوس أن هذه الفلسفة في إدارة الحوار السياسي جعلته يفهم أيضاً سبب ممارسة الحسن الثاني للغولف بشكل متكرر، حيث كانت تلك اللقاءات غير الرسمية فرصة لطرح قضايا شائكة وحساسة بعيداً عن التوترات البروتوكولية. ويكتب في هذا الصدد: «ولهذا السبب كان يلعب الغولف كثيراً» (ص 358).
من نصيحة الحسن الثاني إلى أزمة واشنطن ومدريد
ويلمح الملك الإسباني السابق إلى أن هذه القاعدة التي تعلمها في إدارة الحوار السياسي ساعدته لاحقاً في التعامل مع إحدى الأزمات الدبلوماسية التي نشبت بين إسبانيا والولايات المتحدة في بداية عهد رئيس الحكومة الإسبانية آنذاك خوسيه لويس رودريغيث ثاباتيرو.
ففي سنة 2004، أعلن ثاباتيرو سحب القوات الإسبانية من العراق، وهو القرار الذي تسبب في توتر كبير بين مدريد وواشنطن. كما زادت الأزمة تعقيداً بعد حادثة أثارت غضب الولايات المتحدة عندما لم يقف ثاباتيرو أثناء مرور العلم الأمريكي في العرض العسكري الإسباني.
ويقول خوان كارلوس إن العلاقات بين البلدين وصلت آنذاك إلى أسوأ لحظاتها، وهو ما دفعه إلى التدخل شخصياً للحفاظ على قنوات الاتصال بين الطرفين. ويكتب في مذكراته: «كانت العلاقات بين واشنطن ومدريد تمر بأسوأ لحظاتها» (ص 359).
لقاء هادئ مع جورج بوش الابن
ويضيف الملك الإسباني أنه قرر استغلال زيارة إلى مدينة سياتل الأمريكية للاتصال بالرئيس الأمريكي جورج بوش الابن حينها، وطلب لقاء خاص معه.
وبالفعل، تم ترتيب اللقاء بعد يومين في المزرعة العائلية للرئيس بوش في ولاية تكساس، حيث جرى اللقاء في أجواء عائلية هادئة بعيداً عن البروتوكول. وخلال هذا اللقاء، حرص الملك الإسباني على توضيح موقفه ومحاولة احتواء الأزمة بين البلدين، حيث قال للرئيس الأمريكي: «أعتذر عن موقف ثاباتيرو. لقد ارتكب خطأ سياسياً عندما كان أميناً عاماً للحزب الاشتراكي، لكن ذلك لا ينبغي أن يؤثر على العلاقة بين بلدينا، وهي علاقة أساسية. لقد جئت إلى هنا لأضمن أن التعاون بين الدولتين لن يتضرر» (ص 360).
ويؤكد خوان كارلوس أن هذا اللقاء ساهم في تخفيف التوتر وإعادة فتح قنوات الحوار بين مدريد وواشنطن، مشيراً إلى أن الدبلوماسية أحياناً تحتاج إلى مبادرات شخصية ولقاءات غير رسمية من أجل حل الأزمات.
درس سياسي من الحسن الثاني
لم يؤكد الملك خوان كارلوس أن نصيحة الحسن الثاني كانت حاسمة، ولكن الإشارة اليها قبل التطرق للكيفية التي حل بها الأزمة مع أمريكا، توضح أنه كان يستحضر تلك النصيحة الملكية حول اختيار التوقيت المناسب والأجواء المناسبة للحوار السياسي. النصيحة لم تكن مجرد ملاحظة عابرة، بل تحولت إلى قاعدة عملية في طرح القضايا الشائكة.
ففي كثير من الأحيان، كما يوحي هذا المقطع من الكتاب، لا تُحل الأزمات الكبرى داخل قاعات الاجتماعات الرسمية، بل في لقاءات هادئة بعيداً عن الضغوط السياسية والإعلامية.
وهكذا يربط خوان كارلوس بين حكمة الحسن الثاني في إدارة العلاقات السياسية وبين تجربته الشخصية في معالجة واحدة من أكثر الأزمات الدبلوماسية حساسية بين إسبانيا والولايات المتحدة في بداية الألفية الثالثة.