د.عبدالرحيم واحمان* / الرياض
أثار تصريح وزير الصناعة والتجارة رياض مزور، الذي خاطب الجالية المغربية بالخارج بعبارة «بزعط، بلادك هادي»، جدلًا واسعًا على منصات التواصل الاجتماعي، تجاوز مجرد انتقاد العبارة في حد ذاتها إلى طرح تساؤلات أعمق حول أزمة الخطاب السياسي في المغرب، خاصة في سياق العلاقة مع مغاربة العالم. فهل يعكس هذا التصريح مجرد زلة لسان أم أنه ينطوي على إشكاليات بنيوية أوسع تتعلق باللغة السياسية وطبيعة التواصل الرسمي مع المواطنين بالخارج؟ وكيف يمكن أن يتحول تصريح عفوي إلى أزمة رمزية تهدد الثقة بين الجالية والدولة؟
بين العفوية والمسؤولية
جاء تصريح الوزير في سياق ترويجي يهدف إلى تشجيع مغاربة العالم على الاستثمار في وطنهم. ومع ذلك، فإن توظيف تعبير دارج مثل «بزعط» – بما يحمله من طابع غير رسمي وإيحاءات انفعالية قد تُفهم كازدراء – أضعف الرسالة، وحوّلها من خطاب تحفيزي إلى خطاب مُحبط. هذا النوع من العبارات، وإن بدا عابرًا في سياق غير رسمي، يصبح أكثر حساسية حين يصدر عن مسؤول حكومي يمثل مؤسسة الدولة، حيث يُفسر كلامه باعتباره تعبيرًا عن رؤية مؤسساتية تجاه المواطنين، وهنا يكمن التوتر بين اللغة العفوية والصورة المؤسساتية.
اللغة السياسية ليست مجرد وسيلة للتواصل ونقل الأفكار، بل هي أداة لبناء الثقة بين الدولة والمواطن. وحين تُستخدم تعبيرات تحمل حمولة انفعالية أو غير دقيقة، يتحول الخطاب من كونه رسالة رسمية إلى رسالة شخصية. هذا التداخل بين الرسمي وغير الرسمي يربك المتلقي، خاصة في سياقات حساسة تتطلب دقة لغوية وحذرًا في اختيار المفردات.
مغاربة العالم و الاعتراف الرمزي
يرى مغاربة العالم أنفسهم جزءًا لا يتجزأ من الهوية الوطنية، ولا يقتصر دورهم على تحويلاتهم المالية أو استثماراتهم الاقتصادية. وعندما يختزل الخطاب الرسمي مساهمتهم في معادلات مادية بحتة دون مراعاة الأبعاد الرمزية والإنسانية، فإن ذلك يخلق شعورًا بالاغتراب الرمزي. الجالية المغربية تحتاج لخطاب يعترف بدورها كشريك في المشروع الوطني، لا كمجرد مصدر للدخل.
ويعكس هذا التصريح أيضًا مشكلة أعمق تتعلق بتمثيل مغاربة العالم في الخطاب السياسي الرسمي. فبدل أن يُبنى الخطاب على شراكة متبادلة تقوم على التقدير والاحترام، ينطلق غالبًا من رؤية بيروقراطية تختزل العلاقة في أهداف اقتصادية، متجاهلة الأبعاد الإنسانية والقيم الثقافية والاجتماعية التي تربط الجالية بوطنها. هذا القصور يُضعف قدرة الدولة على تعزيز الثقة مع مواطنيها بالخارج، ويحول دون بناء علاقة مستدامة بين الطرفين.
نحو لغة سياسية جديدة: إعادة بناء الثقة
إن الجدل الذي أثاره تصريح الوزير يكشف عن حاجة ملحة لإعادة صياغة الخطاب السياسي الرسمي ليكون أكثر احترامًا ومراعاة لحساسية الفئات المستهدفة. مغاربة العالم، كشريحة أساسية من المواطنين، يحتاجون إلى خطاب يُبرز دورهم المحوري في المشروع الوطني، ويعزز شعورهم بالانتماء. لتحقيق ذلك، يجب أن تتضمن استراتيجية إعادة بناء الخطاب السياسي النقاط التالية:
– تعزيز الوعي بأثر الكلمة
إن الكلمات ليست مجرد أدوات للتواصل، بل هي مكونات أساسية للثقة. زلة واحدة قد تُفقد المؤسسة الكثير من مصداقيتها. لذا، يجب تدريب المسؤولين على اختيار مفرداتهم بعناية، مع مراعاة خصوصية كل فئة مستهدفة وحساسيتها.
– تَبني خطاب الشراكة
بدلًا من خطاب يُظهر الجالية كمجرد مصدر تحويلات مالية واستثمارات، يجب أن يُبنى الخطاب الرسمي على شراكة متبادلة تعترف بدورها الاقتصادي والثقافي والاجتماعي، مما يعكس احترامًا وتقديرًا لمكانتها.
– تكوين تواصلي متخصص
يحتاج بعض المسؤولين إلى تكوين متخصص في اللغة السياسية ، يأخذ بعين الاعتبار الأبعاد الرمزية للخطاب. المسألة ليست في فرض استخدام الفصحى أو الدارجة، بل في اختيار لغة توازن بين الدقة والاحترام، وبين الوضوح والتحفيز. هذه المهارة ضرورية للتواصل بشكل يحقق الأهداف دون المساس بثقة المواطنين.
– تعزيز قنوات الحوار مع الجالية
بدل الاعتماد على خطابات عمودية تصدر من الدولة إلى مغاربة العالم، يجب أن تُفتح قنوات تواصل فعالة ومتبادلة تعطي الجالية فرصًا أكبر للتعبير عن آرائها وانتقاداتها. هذا الحوار يمكن أن يشكل أساسًا لبناء خطاب سياسي أكثر شمولية يعكس احتياجات الجالية وتطلعاتها.
إن الجدل حول الخطاب السياسي في المغرب يبرز الحاجة الملحة إلى إعادة بناء علاقة الثقة بين الدولة ومواطنيها، خاصة مغاربة العالم. وصياغة خطاب سياسي جديد، قائم على الاحترام والشراكة والوضوح، تمثل الأساس لترسيخ هذه الثقة. فمطالب الجالية تتجاوز تحسين ظروف الاستثمار أو تبسيط الإجراءات الإدارية لتشمل الاعتراف بمكانتهم كشريك أساسي في المشروع الوطني، بما يتماشى مع التوجيهات الملكية السامية التي تضع إشراك مغاربة العالم في صلب الاستراتيجيات التنموية الوطنية.
(*) أكاديمي وباحث مغربي مقيم بالسعودية