توفيق سليماني*
في خضم واحدة من أكثر اللحظات حساسية في تاريخ العلاقات بين المغرب وإسبانيا، يكشف الملك الإسباني السابق خوان كارلوس الأول في مذكراته «Juan Carlos I: Reconciliación»، “خوان كارلوس الأول: المصالحة”، تفاصيل دقيقة عن الأيام التي رافقت أزمة قضية الصحراء في منتصف السبعينيات، بالضبط في أكتوبر سنة 1975، وكيف تشكلت منذ اللحظة الأولى علاقة تفاهم خاصة بينه وبين الملك الراحل الحسن الثاني.
فبينما كانت المنطقة على حافة مواجهة خطيرة، جاء الاتصال الأول بين الملكين ليضع الأساس لمسار طويل من التعاون والصداقة استمر لعقود رغم الأزمات الدورية التي عرفتها العلاقات بين البلدين.
يروي خوان كارلوس أن المغرب اختار آنذاك أسلوباً مختلفاً وفريدا لفرض سيادته على الصحراء، في سياق إقليمي متوتر كانت الجزائر حاضرة فيه كطرف منافس. وفي تلك اللحظة التاريخية أطلق الملك الراحل الحسن الثاني المسيرة الخضراء، التي توجهت خلالها حشود كبيرة من المدنيين المغاربة نحو الصحراء، وهم يحملون المصاحف والأعلام الوطنية.
ويقول خوان كارلوس في الكتاب إن هذا التحرك الشعبي الضخم خلق وضعاً شديد الحساسية بالنسبة للجيش الإسباني المنتشر في المنطقة. إسبانيا كانت تتواجد في الصحراء منذ سنة 1884، ومع التقسيم الاستعماري توسعت في المنطقة.
فقد تلقى خوان كارلوس اتصالاً من أحد الجنرالات الإسبان الموجودين في الصحراء، حذره فيه من خطورة الموقف قائلاً إن القاعدة العسكرية الإسبانية محاطة بالألغام، وإن اقتراب تلك الحشود قد يؤدي إلى كارثة إنسانية كبيرة.
ويورد الملك الإسباني السابق في شهادته نقلا عن الجنرال: «الوضع مقلق للغاية. قاعدتنا محاطة بالألغام. إذا اقتربت الحشود أكثر من اللازم، فسيكون هناك مئات القتلى».
ويضيف أنه قرر التوجه شخصياً إلى المنطقة رغم محاولة بعض الوزراء الإسبان ثنيه عن ذلك. فقد كان مقتنعاً بأن قائد الجيش يجب أن يكون إلى جانب قواته في لحظات الخطر، خاصة أنه كان قد ورث صلاحيات واسعة من نظام الجنرال فرانكو في تلك المرحلة الانتقالية الحساسة والتي كان فيها الديكتاتور يحتضر، وتوفي بعد أيام. الصحراء حينها كانت تعتبر الأقليم الإسباني رقم 53.
قاد خوان كارلوس الطائرة بنفسه وتوجه إلى العيون التي كانت آنذاك تحت الإدارة الإسبانية. ومن الجو شاهد الحشود المغربية وهي تتقدم نحو مواقع الجيش الإسباني. وعند وصوله اجتمع بالضباط والجنود، واتخذ قراراً حاسماً لتجنب أي مواجهة دامية.
وقال مخاطباً القوات الإسبانية المرابطة في الإقليم الثالث والخمسين:«سوف ننسحب من الصحراء، لكن بشكل منظم وبكرامة. ليس لأنهم هزمونا، بل لأن الجيش الإسباني لا يمكنه أن يطلق النار على حشد من النساء العزّل».
كان القرار بالنسبة له واضحاً؛ الانسحاب من الصحراء بطريقة منظمة، مع الحفاظ على كرامة الجيش الإسباني وتجنب أي مجزرة قد تقع إذا أطلق الجنود النار على المدنيين المغاربة.
بعد عودته من العيون، دخل خوان كارلوس في اجتماع مع مجلس الوزراء الإسباني لمناقشة التطورات المرتبطة بالصحراء حينها. في تلك اللحظة أخبرهم أنه يتوقع اتصالاً هاتفياً من الملك الحسن الثاني. غير أن الوزراء الإسبان لم يأخذوا الأمر على محمل الجد، بل شكك بعضهم في احتمال حدوث ذلك الاتصال. كانوا يرون الحسن الثاني ملكا متمرسا، وخوان كارلوس بدون تجربة، لهذا ربما لم يكونوا يتوقعوا ذلك الاتصال.
لكن بعد نحو نصف ساعة فقط، دخل أحد مساعدي الملك الإسباني إلى القاعة ليعلن أن ملك المغرب يرغب في التحدث معه. ساد الصمت داخل الاجتماع، بينما أمسك خوان كارلوس بالهاتف ليتلقى أول مكالمة بينه وبين الحسن الثاني.
كانت تلك اللحظة، كما يصفها في الكتاب، بداية تفاهم سريع بين الملكين. فقد بادر الحسن الثاني بتهنئته قائلاً: «أهنئك لأنك حاضرا إلى جانب جنودك».
ورد خوان كارلوس مؤكداً أن الوقت قد حان لفتح نقاش هادئ حول مستقبل الصحراء والعلاقات بين البلدين، قائلاً: «الآن يمكننا أن نناقش قضية الصحراء بكل هدوء، وأن نتحدث عن العلاقات بين بلدينا».
ويصف الملك الإسباني تلك المكالمة بأنها كانت قصيرة لكنها حاسمة، إذ أدت إلى تهدئة الوضع بسرعة وفتحت الباب أمام تفاهم سياسي بين الرباط ومدريد.
ويضيف في مذكراته أنه لم يكن يعرف من قبل الملك الحسن الثاني، وأن تلك المكالمة كشفت له أيضاً جانباً من شخصية الملك الحسن الثاني. خوان كارلوس كان يدرك أهمية الرموز والإشارات السياسية في العالم العربي، حيث تحظى المبادرات الشخصية والقرارات الجريئة بتقدير كبير.
بالنسبة لخوان كارلوس، كان ظهور قائد الجيش الإسباني في الميدان إلى جانب جنوده رسالة سياسية قوية، وهي رسالة فهمها الحسن الثاني بسرعة. ومن هنا بدأ مسار جديد في العلاقات بين الرجلين.
ربما رأى الملك الحسن الثاني بعبقريته وحسه السياسي أن فرانكو انتهى، وأن خوان كارلوس يمكن التفاهم معه، وأنه يحتاج إلى دفعة ويد ممدودة من الجنوب من أجل تعزيز حضوره وموقفه أمام وزراء وسياسيين يشككون في قدرته على قيادة إسبانيا ما بعد فرانكو.
ويؤكد الملك الإسباني السابق أن تلك المكالمة الهاتفية الأولى كانت بداية علاقة شخصية مميزة بينهما، إذ يقول إنهما أصبحا لاحقاً صديقين مقربين، واستمرت بينهما قنوات تواصل مفتوحة حتى خلال أصعب الأزمات التي مرت بها العلاقات بين المغرب وإسبانيا.
لقد كانت تلك اللحظة، كما يصفها الملك الذي تنازل لابنه الملك فيليبي السادس عن العرش في يونيو 2014، نقطة تحول ليس فقط في مسار أزمة الصحراء، بل أيضاً في طبيعة العلاقة بين العاهلين؛ علاقة قامت منذ الكلمة الأولى على الاحترام المتبادل والتفاهم السياسي، واستمرت لسنوات طويلة رغم التقلبات التي عرفتها المنطقة والعلاقات الثنائية.
—————————-
(*) صحافي وباحث في الشأن المغربي-الإسباني-الأمريكولاتيني