20 يونيو 2026 / 00:15

بيت الصحافة

لولا لوبيث إنامورادو، مستعربة وباحثة إسبانية: “لا تستطيع إسبانيا فهم نفسها دون معرفة ماضيها الأندلسي، ولا يمكنها فهم حاضرها دون النظر نحو الجنوب”

Mares30 - 4 مارس 2026

حوار وترجمة: محمد الشاربي 

 

ماريا دولوريس لوبيث إنامورادو، حاصلة على درجة الدكتوراه في فقه اللغة من جامعة إشبيلية (1996)، وحاصلة على الإجازة في فقه اللغة السامية (تخصص الدراسات العربية والإسلامية) من جامعة غرناطة (1986). وهي أول أستاذة كرسي للدراسات العربية في جامعة إشبيلية.

 

من 2008 إلى 2020، أدارت على التوالي مراكز معهد ثيربانتس في مراكش والدار البيضاء وتطوان والجزائر العاصمة، كما أدارت أيضًا فروع المعهد في أكادير والصويرة والحسيمة والعرائش ومارتيل وشفشاون؛ بالإضافة إلى مركز ثيربانتس في داكار؛ ومراكز DELE (دبلوم في اللغة الإسبانية كلغة أجنبية) في مالابو وباتا والرأس الأخضر.

 

منذ عام 1987، شاركت في مجموعات بحثية تُعنى بقضايا مغربية وعربية. ونشرت العديد من المؤلفات – كتبًا وفصولًا في كتب ومقالات ومراجعات – في مجالات تخصصها (الأدب، والعمارة، والفن، والتراث الشفهي، والسياسة، والهجرة، والتاريخ)، وقامت بتنظيم دورات وإلقاء محاضرات، وشاركت في العديد من المؤتمرات واللجان.

 

كما شغلت عضوية لجان بارزة، مثل “لجنة تتبع برنامج دعم الدراسات الإسبانية في الجامعات المغربية” (وزارة الثقافة الإسبانية وجامعة محمد الخامس، معهد الدراسات الإسبانية والبرتغالية -سابقا-)؛ واللجنة الاستشارية للبيت العربي في مدريد.

 

وهي عضو في معهد الدراسات حول سبتة. وكانت عضوًا في لجنة تحكيم جائزة ميغيل دي ثيربانتس للأدب باللغة الإسبانية عام 2013، ممثلةً معهد ثيربانتس.

 

في عام 2008، حصلت على الوسام العلوي من طرف الملك محمد السادس، تقديرًا لجهودها في تعزيز العلاقات والتفاهم بين إسبانيا والمغرب

 

وفي عام 2020، حصلت أيضاً على وسام إيزابيلا الكاثوليكية، الذي يمنح من طرف الملك فيليبي السادس “تقديراً للأعمال المدنية الاستثنائية التي يقوم بها أفراد إسبان وأجانب، والتي تعود بالنفع على الأمة أو تُسهم بشكلٍ كبير في تعزيز العلاقات الودية والتعاون بين إسبانيا وبقية المجتمع الدولي”.

 

في هذا الحوار مع جريدة “مارس30″، تتناول المستعربة والباحثة الإسبانية لولا لوبيز إنامورادو عدة مواضيع هامة: بداية ارتباطها باللغة العربية، مكانة اللغة العربية في إسبانيا، صورة ما هو عربي وإسلامي في إسبانيا، الأندلس، الأدب العربي، والهسبانية في المغرب، المغرب، إلخ.

 

– أنتِ أستاذة حاصلة على درجة الدكتوراه في فقه اللغة من جامعة إشبيلية (إسبانيا)، وتعتبرين أول أستاذة كرسي للدراسات العربية والإسلامية في هذه الجامعة.

حدثينا قليلاً عن بداية ارتباطك باللغة العربية. ونود أيضاً معرفة سبب اهتمامكِ بالدراسات العربية والإسلامية.

– كانت بداياتي مع اللغة العربية أشبه بالحب من أول نظرة. ما زلت أتذكر بوضوح تلك الحروف التي كانت مكتوبة على السبورة، بجمالها وروعتها، وعراقتها التاريخية. لقد أعجبتني منذ اليوم الأول. وما بدأ كفضول فكري سرعان ما تحول إلى شغف.

 

اخترتُ الدراسات العربية والإسلامية لأني شعرتُ أن وراء هذه اللغة هناك عالم ثقافي هائل لم نكن نعرف عنه الكثير في إسبانيا، بل كنا نعرفه بشكل خاطىء في بعض الأحيان.

 

شعرتُ أن دراسة اللغة العربية ليست مجرد تعلم لغة، بل هي فتح آفاق جديدة لفهم العالم بطريقة أخرى.

 

– هل ما زال هناك اهتمام بالدراسات العربية والإسلامية في إسبانيا؟

– نعم، لا يزال هناك اهتمام، وإن لم يكن دائمًا بالقدر الذي نريده. لا تستطيع إسبانيا فهم نفسها دون معرفة ماضيها الأندلسي، ولا يمكنها فهم حاضرها دون النظر نحو الجنوب، أي إلى الدول العربية وإلى البحر الأبيض المتوسط.

 

بعض الشباب يقبلون على تعلم اللغة العربية لأسباب مهنية، وآخرون بدافع الاهتمام الثقافي، وآخرون بدافع الالتزام الاجتماعي. أقول دائمًا إن دراسة اللغة العربية هي أيضًا تمرين على الانفتاح الفكري.

 

– بشكل عام، كيف ينظر الإسبان إلى ما هو عربي وإسلامي؟

– يعتمد ذلك كثيرًا على المعلومات المتوفرة لديهم. عندما تكون المعرفة عميقة، يكون المنظور قائمًا على الاحترام والإعجاب. لكن عندما تكون المعلومات متحيزة أو سطحية، تظهر آنذاك الأحكام المسبقة.

 

هناك شريحة من المجتمع الإسباني تنظر إلى ما هو عربي من منطلق الجهل أو الخوف، ولكن هناك أيضًا فئة من المجتمع تزداد وعيًا بالثراء الثقافي والتاريخي والإنساني للعالم العربي والإسلامي. يكمن التحدي في ضمان استبدال الصور النمطية بالمعرفة.

 

– كيف ترين الوضع الراهن للغة العربية في إسبانيا؟

– تشهد اللغة العربية في إسبانيا وضعًا متناقضًا. من جهة، تُعدّ اللغة العربية لغةً استراتيجيةً يتحدث بها ملايين الأشخاص، وهي أساسية بالنسبة لعلاقاتنا الدولية.

 

ومن جهة أخرى، لا يزال حضورها في النظام التعليمي محدودًا. فهي تحافظ على مكانتها على مستوى الجامعة، لكننا بحاجة إلى تعزيز تدريسها في المراحل التعليمية المبكرة، ومنحها مزيدًا من التقنين اجتماعيا.

 

– لقد كنت عضوًا في “لجنة تتبع برنامج دعم الدراسات الإسبانية في الجامعات المغربية”. كيف تحللين الوضع الراهن للدراسات الإسبانية في المغرب بشكل عام؟

– تتمتع الدراسات الإسبانية في المغرب بتقاليد راسخة وحيوية مذهلة. لقد عرفتُ أجيالًا من الباحثين المغاربة المتخصصين في الدراسات الإسبانية، والذين يتمتعون بتكوين عالٍ والتزام كبير.

 

وعلى الرغم من الصعوبات الهيكلية، لا يزال الاهتمام باللغة والثقافة الإسبانية في المغرب قويًا للغاية.

 

أعتقد أنه ينبغي تكثيف التعاون الأكاديمي بين البلدين، لأن هذا التبادل يُثري كلا الطرفين بلا شك؛ فهو يُثرينا جميعًا.

 

– فيما يخص تاريخ الأندلس، لماذا لا يزال بعض الإسبان يُديرون ظهورهم للتراث الثقافي العربي-الإسلامي الذي يُشكّل الآن جزءًا من هويتهم؟

– أحيانًا، ينبع تجاهل التراث العربي-الإسلامي من الجهل أو من تأويلات تاريخية مدفوعة بأيديولوجيات معينة.

 

فالأندلس جزء لا يتجزأ من هويتنا الثقافية واللغوية والتراثية. إنكار هذا التراث لا يمحو شيئا، بل يُضعف فهمنا لأنفسنا.

 

رغم أن البعض قد يسعى إلى تحريف التاريخ وإعادة تأويله، فإن الاعتراف بهذا التراث ليس قضية سياسية، بل مسألة تاريخية وثقافية.

 

– ما الدور الذي يمكن أن يلعبه المستعربون الإسبان في بناء جسور التواصل بين شبه الجزيرة الإيبيرية والعالم العربي -الإسلامي، وفي إزالة بعض الصور النمطية والأحكام المسبقة؟

– نحن كمستعربين نحمل على عاتقنا مسؤولية جسيمة: الترجمة، والشرح، ووضع الأمور في سياقها، وتفكيك الأحكام المسبقة التي ترسخ بعضها في أذهان فئات معينة من المجتمع.

 

نحن المستعربون نلعب دور الوسيط الثقافي. لا نقوم بدور أكاديمي فحسب، بل بدور اجتماعي أيضًا. فعندما نشرح الأدب والتاريخ والفكر العربي بدقة واحترام، فإننا نبني جسورًا خفية تُسهم بلا شك في دحض الأحكام المسبقة.

 

– ماذا يمكننا القول عن الأدب العربي؟

– يتميز الأدب العربي بثراء استثنائي، سواء في تراثه الكلاسيكي أو إنتاجه المعاصر.

 

إنه أدب إنساني بامتياز، يتخلله الشعر والذاكرة والهوية والمقاومة. من الشعر الجاهلي إلى الرواية المعاصرة، يقدم الأدب العربي رؤية معقدة ودقيقة للعالم العربي تتحدى أي تبسيط.

 

إضافةً إلى قراءتي ودراستي لهم، فقد حظيت بشرف اللقاء مع العديد من الكتّاب العرب، بمن فيهم نجيب محفوظ ومحمود درويش.

 

– ماذا يُمثّل بالنسبة لك الكاتب العربي نجيب محفوظ؟

– يُمثّل لي نجيب محفوظ عالمية الأدب العربي. فبفضله، أدرك العالم أن السرد العربي المعاصر قادر على التفاعل الند للند مع أي تقليد أدبي. لقد استطاع تصوير المجتمع المصري بعمق إنساني عابر للحدود.

 

إنه مرجع أساسي. كتبتُ أطروحتي للدكتوراه عن ثلاثيته: “بين القصرين”، و”قصر الشوق”، و”السُّكَّرية”. وقد حظيتُ بفرصة ثمينة لقضاء بعض الوقت معه في مقر جريدة “الأهرام” بالقاهرة.

 

أنصح بقراءة أعماله، وكذلك أعمال العديد من الكُتّاب الآخرين الذين يكتبون باللغة العربية، والذين يُمكن قراءة أعمالهم بالإسبانية بفضل العمل الرائع الذي يقوم به المترجمون.

 

– في عام 2008، حصلت على الوسام العلوي الذي منح لك من طرف الملك محمد السادس، تقديرًا لجهودك في تعزيز العلاقات والتفاهم بين إسبانيا والمغرب. ماذا يعني لك هذا الوسام الملكي؟

– الحصول على هذا الوسام الملكي كان من أكثر اللحظات المؤثرة في حياتي. تلقيته بامتنان كبير، لأن المغرب ليس مجرد بلد عملت فيه، بل هو جزء لا يتجزأ من تاريخي الشخصي.

 

عشت هناك لسنوات عديدة، وشاركت الحياة والمشاريع مع أهله، وتعلمت معنىً جديدًا للوقت، وكرم الضيافة، والعلاقات الإنسانية.

 

علاقتي بالمغرب ليست مهنية فحسب، بل هي أيضًا علاقة شخصية وعاطفية عميقة.

 

لقد طورت نفسي هناك في مجال الإدارة والتسيير والمجال الأكاديمي، وكإنسانة أيضا. شعرت أن هذا الوسام تقدير ليس فقط لعملي، بل أيضًا لالتزامي الصادق الذي لطالما كان لدي تجاه هذا البلد وشعبه.

 

– بعد اثنتي عشرة سنة، أي في عام 2020، حصلت أيضاً على وسام إيزابيلا الكاثوليكية، الذي يمنحه الملك فيليبي السادس، “تقديراً للأعمال المدنية الاستثنائية التي يقوم بها أفراد إسبان وأجانب، والتي تعود بالنفع على الأمة أو تُسهم بشكلٍ كبير في تعزيز العلاقات الودية والتعاون بين إسبانيا وبقية المجتمع الدولي”. ما الذي يجب فعله لتعزيز العلاقات أكثر بين المغرب وإسبانيا؟

– لتعزيز العلاقات بين المغرب وإسبانيا، نحتاج إلى مزيد من التفاهم المتبادل والمزيد من التبادل الأكاديمي والثقافي والإنساني.

 

قد تتقلب العلاقات السياسية، لكن الروابط بين المجتمعات لا تتغير بل تبقى مستمرة. للجامعات دورٌ محوري في هذا الإطار: إذ يجب عليها تشجيع حركية الطلاب، ومشاريع البحث المشتركة، وتوفير مساحات للحوار المستمر.

 

يُعد الاستثمار في التعليم والتعاون الثقافي المستدام أفضل شيء لضمان علاقة متينة ودائمة بين البلدين.

 

– لقد اشتغلت كمديرة لمراكز معهد ثربانتس في مراكش والدار البيضاء وتطوان، بالإضافة إلى فروعه في أكادير والصويرة والحسيمة والعرائش ومارتيل وشفشاون. كيف تلخصين لنا هذه التجربة داخل المغرب؟

– كانت إدارة مراكز معهد سرفانتس في المغرب من أكثر التجارب أهمية وعمقًا في حياتي المهنية والشخصية.

 

ويمكن القول إنها كانت امتدادًا طبيعيًا لمسيرتي الجامعية، ولكن في سياق مختلف: فقد واصلت العمل من أجل اللغة والثقافة والحوار بين الضفتين، وإن كان ذلك من منظور إداري مؤسساتي.

 

لقد كانت فرصة استثنائية أتاحت لي تمثيل إسبانيا، والتعرف على المغرب عن كثب، ودعم مشاريع ثقافية طموحة، وتعزيز التعاون الأكاديمي. تعلمت إدارة الفريق، والإنصات، وفهم تعقيد وثراء علاقتنا مع المغرب بشكل أفضل.

 

– كيف ترين المغرب؟

– أرى المغرب بلدًا ديناميكيًا، زاخرًا بالتناقضات والطاقة الاستثنائية. إنه بلد يمر بمرحلة تحول، ويواجه تحديات كبيرة، ولكنه يتمتع أيضًا بقدرة هائلة على التكيف والتطور.

 

شعبه مضياف، مجتهد، وفخور جدًا بثقافته وتاريخه. لطالما أُعجبت بقوة نسائه، سواء في المجال الأكاديمي أو في الحياة اليومية، وبحماس شبابه.

 

المغرب بلدٌ معقد، كغيره من البلدان، ولكنه نابضٌ بالحياة، رائع، وله مميزات خاصة كثيرة؛ بلدٌ يجعلك تستمتع منذ الزيارة الأولى، وعند التعرّف على تفاصيل الحياة اليومية فيه، تستطيع فهمه وتصبح تحبه حقًا.

 

– أخيرًا، ما هي الرسالة التي تودّين توجيهها للقارئ الإسباني والعربي؟

– فيما يخص القراء الإسبان، أدعوهم لينظروا إلى الجنوب بعيدا عن الأفكار المسبقة أو الصور النمطية، بل بفضولٍ وتواضع. المغرب ليس صورة نمطية أو عنوانًا رئيسيًا: إنه مجتمعٌ غنيٌ ومتنوعٌ وإنسانيٌّ للغاية.

 

أما القراء العرب، فأقول لهم بأن هناك الكثير من الأشخاص في إسبانيا يعشقون ويحترمون بصدقٍ ثقافتكم وتاريخكم وحاضركم.

 

تعتبر المعرفة خير دواء للخوف، والتواصل المباشر يغير وجهات النظر. إذا استطعنا الإصغاء لبعضنا البعض أكثر والتقليل من إصدار الأحكام، فسندرك أن ما يجمعنا أقوى بكثير مما يفرقنا.

 

التصنيف : اسبانيا حوارات