توفيق سليماني*
في مذكراته، يروي الملك الإسباني السابق خوان كارلوس الأول اللحظة التي وجد فيها نفسه، لأول مرة، أمام ملف الصحراء، في سياق سياسي وعسكري بالغ التعقيد كانت تعيشه إسبانيا في الأسابيع الأخيرة من حكم الجنرال فرانكو سنة 1975. يصف الملك تلك المرحلة بأنها كانت فترة انتقالية دقيقة، إذ كان فرانكو قد أصيب بعدة نوبات قلبية في أكتوبر من ذلك العام ونُقل إلى المستشفى، ما اضطره إلى تسلم السلطة مؤقتاً دون أن يعرف إلى متى سيستمر ذلك الوضع.
ويشير خوان كارلوس إلى أن البلاد كانت تواجه أزمة خارجية خطيرة في تلك اللحظة التاريخية، حيث يوضح أن إسبانيا كانت على حافة حرب بسبب الوضع في الصحراء التي كانت آنذاك تحت الإدارة الإسبانية.
ويضيف أن هذه الأزمة كانت مرتبطة مباشرة بقضية الصحراء، إذ يذكر أن الملك الراحل الحسن الثاني أطلق المسيرة الخضراء باتجاه الصحراء التي كان المغرب يطالب بها باعتبارها جزءاً من أراضيه، متحدياً الوجود العسكري الإسباني في المنطقة عبر حشد عشرات الآلاف من المشاركين، على حد قول الملك الذي تنازل عن العرش سنة 2014 لابنه فيليبي السادس، قبل أن يختار المنفى الاختياري في أبوظبي.
«كانت البلاد تواجه وضعاً من الأزمة الخارجية؛ وكانت على حافة حرب استعمارية. وكان ملك المغرب، الحسن الثاني، قد أطلق “المسيرة الخضراء” نحو الصحراء الغربية، التي كان يطالب بها باعتبارها جزءاً من بلاده، متحدياً الجيش الإسباني الموجود في المنطقة، وذلك عبر حشد عشرات الآلاف من الرجال»، يروي الملك.
ويشرح الملك الإسباني أن هذه المسيرة كانت تعبئة شعبية واسعة، حيث تقدم المدنيون المغاربة نحو الصحراء وهم يحملون القرآن والأعلام الوطنية، متوجهين نحو المدينة الرئيسية في الإقليم، العيون، في إطار تحرك شعبي مدعوم من القوات المسلحة المغربية.
ويقر خوان كارلوس بأنه أدرك بسرعة أن هذه الخطوة كانت تهدف إلى فرض السيادة المغربية على الإقليم وتعزيز تعبئة الشعب المغربي حول هذه القضية.
وفي المقابل، يشير إلى أن إسبانيا كانت مستعدة في تلك المرحلة للدخول في مفاوضات حول صيغة حكم ذاتي تمهيدية وتنظيم استفتاء لتقرير المصير في الإقليم، حسبًما جاء في الصفحة 199 من كتاب “خوان كارلوس الأول: المصالحة“.
لكن الوضع الميداني كان بالغ الحساسية، إذ يروي أنه تلقى اتصالاً من أحد الجنرالات الإسبان في المنطقة يحذره من خطورة الوضع العسكري، مشيراً إلى أن القاعدة الإسبانية كانت محاطة بحقول ألغام، وأن اقتراب الجموع قد يؤدي إلى سقوط مئات القتلى.
وأمام هذا الوضع المتوتر، قرر خوان كارلوس التوجه شخصياً إلى الصحراء التي كانت تحت الإدارة الإسبانية. ويضيف أن بعض الوزراء حاولوا ثنيه عن هذه الخطوة، غير أنه كان مقتنعاً بأن القائد الأعلى للقوات المسلحة يجب أن يكون إلى جانب جنوده في مثل تلك اللحظات الحساسة.
«اتصل بي أحد جنرالات قواتنا المسلحة في المنطقة وقال لي: “الوضع مقلق للغاية. قاعدتنا محاطة بالألغام. وإذا اقتربت الحشود أكثر من اللازم فسيكون هناك مئات القتلى. عندها قررت أن أتوجه إلى المكان، إلى ذلك الإقليم الذي كان خاضعاً للإدارة الإسبانية». (ص. 200).
كما يشير إلى أنه كان قد ورث في تلك الفترة السلطات الكاملة التي كان يتمتع بها فرانكو، وهو ما جعله قادراً على اتخاذ القرار دون أن يتمكن أحد من منعه.
بهذه الشهادة يصف خوان كارلوس أول احتكاك مباشر له بملف الصحراء، وهي القضية التي وجد نفسه أمامها في لحظة تاريخية دقيقة، بين تحذيرات الجيش الإسباني على الأرض والتحرك الشعبي المغربي بقيادة الملك الراحل الحسن الثاني عبر المسيرة الخضراء، في سياق كان يهدد بالتحول إلى مواجهة عسكرية مفتوحة. بعدها ستظهر عبقرية الملكين الحسن الثاني وخوان كارلوس الأول.