20 يونيو 2026 / 00:15

بيت الصحافة

يوم ارتدى الأمير خوان كارلوس على مضض «زي مهرّج» آتٍ من المغرب… ومقايضة صورة مع أزولاي (3)

مارس 30 - 1 مارس 2026

توفيق سليماني*

في إحدى المحطات الأقل تداولاً والأكثر طرافة في كتاب «خوان كارلوس الأول: المصالحة»، يروي الملك الإسباني، الذي تنازل عن العرش سنة 2014 لابنه فيليبي السادس قبل أن يغادر إسبانيا لاحقاً ليستقر في دولة الإمارات بعيداً عن عدسات الصحافة، واقعة تعود إلى سنوات مراهقته الأولى، حين كانت حياته موزعة بين إسبانيا والبرتغال في ظل وصاية الديكتاتور فرانكو والمنفى الاختياري لأسرة آل بوربون بمدينة إستوريل البرتغالية.

في تلك المرحلة، كان فرانكو قد عرض على والد خوان كارلوس، الذي لم يكن متوجاً ملكاً بعد (ولن)، السماح لابنه الأمير بمتابعة التكوين العسكري والأميري في إسبانيا، بعيداً عن إستوريل حيث كانت العائلة تعيش المنفى القسري في انتظار العودة إلى القصر الملكي بمدريد. قبل الأب العرض، من دون أن يتصور أن الديكتاتور سيختار لاحقاً ابنه ملكاً وهو لا يزال على قيد الحياة. وبين شدّ وجذب سياسي وعائلي، كان خوان كارلوس المراهق يعود أحياناً إلى بيت الأسرة في البرتغال خلال العطل أو كلما توترت العلاقات بين والده وفرانكو، في انتظار أن تستقر الأمزجة، كما يصف هو نفسه تلك المرحلة.

إستوريل، المدينة الهادئة على الساحل الأطلسي، لم تكن مجرد ملجأ للمنفيين، بل تحولت في تلك السنوات إلى فضاء اجتماعي خاص، اختاره ملوك وأمراء مخلوعون أو مطرودون. وكانت تُنظم فيها حفلات وسهرات عائلية، من بينها حفلات الأزياء التنكرية التي لم يكن خوان كارلوس مولعاً بها. يروي الملك أنه كان يرفض التنكر منذ طفولته، وأن ملامحه في صورة قديمة وهو في الخامسة من عمره مرتدياً زيّ راعي بقر “تقول كل شيء” عن عدم ارتياحه لمثل هذه المناسبات.

غير أن إحدى حفلات التنكر، التي نظمها كونت باريس، شكّلت استثناءً. كان الأمير خوان كارلوس حينها مراهقاً واعياً، حاول الاعتذار عن الحضور، لكن والدته أصرّت، فاستجاب لطلبها على مضض. يصعد إلى غرفة في بيت «كوينتا دو أنجينيو»، ويفتح صندوقاً كبيراً للأزياء، ليجد نفسه أمام مفاجأة غير متوقعة. وهنا تأتي الفقرة التي يوردها الملك حرفياً، والتي تكشف الرابط المغربي في هذه الطرفة: «في كوينتا دو أنجينيو وجدت، في صندوق كبير مليء بأزياء تنكرية مبالغ فيها قادمة من المغرب، زيّ مهرّج».

بهذه العبارة المقتضبة، يختصر خوان كارلوس لحظة تردده واستسلامه للأمر الواقع. يعترف أنه لم يكن مرتاحاً، لكنه ارتدى الزي حتى يتمكن من المشاركة في الحفل مع عائلته، رغم شعوره بالسخرية من نفسه، خصوصاً أنه كان يعلم أنه سيلتقي هناك أصدقاءه ومعارفه.

الطرفة لا تتوقف عند حدود الزيّ التنكري المغربي الصنع. ففي تلك الليلة، كان المصوّر العالمي الشهير كلود أزولاي، الذي وثّق بعدسته عدداً كبيراً من الزعماء والنجوم، حاضراً لتصوير الحفل. فكرة أن تُخلَّد صور له وهو مرتدٍ زيّ مهرّج، آت من المغرب، كانت مزعجة لخوان كارلوس إلى حدّ أنه توجّه إلى المصوّر طالباً منه حذف كل الصور التي يظهر فيها. يروي الملك الحوار القصير الذي دار بينهما، حين أجابه أزولاي: «صاحب السمو، على الأقل أحتاج إلى صورة واحدة لكم». أمام هذا الإصرار، تم التوصل إلى مقايضة طريفة: صورة واحدة مقابل صورة أخرى.

وهكذا، قبل خوان كارلوس أن يلتقط أزولاي صورة له جالساً على مقعد، إلى جانب فتاة برتغالية جميلة، تحيط بهما قصاصات الورق الملون، في مشهد أقل إحراجاً من زيّ المهرّج. يعترف الملك أن المصوّر أحبّ هذه الصفقة، ويضيف في خاتمة الصفحة (123) أن تلك اللحظة كانت بداية صداقة استمرت بينهما لسنوات طويلة.

قصة تبدو عابرة، لكنها تكشف، من خلال تفصيل صغير مثل «زيّ مهرّج قادم من المغرب أو من صنع مغربي»، عن تشابك المسارات الشخصية والسياسية في حياة ملك سيصير لاحقاً رمزاً لمرحلة انتقالية في إسبانيا، وعن حضور المغرب، ولو بشكل غير متوقّع، في ذاكرة لحظة خاصة من طفولته ومراهقته.

بعدها سيصبح الملك خوان كارلوس صديقا للمغرب والمغاربة إلى درجة أنه فكر في الاستقرار بالمملكة بعد تنازله عن العرش، لكن قرب المغرب من شبه الجزيرة الإيبيرية جعله يتخلى عن الفكرة، ويختار دولة الإمارات.

التصنيف : اسبانيا المغرب