توفيق سليماني*
تكشف ثانيا كتاب «خوان كارلوس الأول: المصالحة» عن معطى دقيق يعكس عمق العلاقات التي ربطت المؤسستين الملكيتين في المغرب وإسبانيا، ويتعلق بعرض قدّمه الملك الراحل الحسن الثاني لوالدي الملك خوان كارلوس من أجل الاستقرار في المغرب، وذلك في سياق سياسي إقليمي متوتر أعقب ثورة القرنفل في البرتغال سنة 1974.
ويستحضر الملك خوان كارلوس في هذا المقطع مرحلة منفى والده، الذي لم يتمكن من اعتلاء العرش الإسباني بعدما منح الديكتاتور فرانسيسكو فرانكو الأولوية لابنه، مفضلًا الإبقاء على النظام القائم آنذاك. ورغم التحولات السياسية العميقة التي عرفتها البرتغال، ورغم الدعوات التي وُجهت للأسرة الملكية لمغادرتها، فإن خيار الاستقرار في المغرب، على الرغم من عرضه من أعلى مستوى في الدولة المغربية، لم يكن مطروحًا فعليًا.
وفي هذا السياق، يرد في الكتاب نصًا، في الفقرة التي يذكر فيها الملك الراحل الحسن الثاني: «وخلال ثورة القرنفل سنة 1974، ورغم أن بعض الأشخاص حثّوا والديَّ على المغادرة، وأن الملك الحسن الثاني كان قد دعاهما إلى الاستقرار في المغرب، فإن والديَّ لم يطرَحا أبدًا إمكانية الانتقال. فقد أبدت السلطات البرتغالية، على اختلاف توجهاتها، دائمًا قدرًا كبيرًا من الاحترام والتقدير لهما.» (ص. 103)
تكشف هذه الشهادة أن مبادرة الملك الراحل الحسن الثاني لم تكن مجرد لفتة دبلوماسية عابرة، بل تعبيرًا صريحًا عن علاقة وثيقة قوامها الثقة والاحترام المتبادل بين الملكيتين، في لحظة إقليمية كانت تتسم بعدم اليقين السياسي وتغيّر موازين الحكم في جنوب أوروبا.
كما تُبرز الواقعة أن قرار والد خوان كارلوس بالبقاء في البرتغال لم يكن موقفًا سلبيًا تجاه المغرب، بل خيارًا مرتبطًا بسياق خاص، وبشعور بالاستقرار الذي وفرته له السلطات البرتغالية، التي واصلت التعامل معه بتقدير كبير رغم تغير الأنظمة والاصطفافات السياسية.
وتمنح هذه الصفحات من الكتاب بعدًا إضافيًا لفهم طبيعة العلاقات المغربية-الإسبانية، حيث يظهر المغرب كطرف موثوق وفاعل مسؤول، حاضر في لحظات التحول الكبرى، ومستعد لتقديم الدعم السياسي والإنساني حين تفرض الظروف ذلك، في إطار علاقة ملكية-ملكية اتسمت تاريخيًا بالحكمة والتواصل المباشر وتجاوز الأزمات.