نُشر النص الكامل للاتفاق التاريخي المتعلق بصخرة جبل طارق، فاتحاً بذلك مرحلة جديدة من التعايش والاستقرار والازدهار المشترك في منطقة جبل طارق وجنوب إسبانيا وأوروبا عموماً، بعد سنوات طويلة من المفاوضات المعقدة بين إسبانيا والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي.
وكان وزير الخارجية الإسباني، خوسي لويس ألباريس، أعلن في 11 يونيو 2025 التوصل إلى اتفاق سياسي نهائي بشأن جبل طارق، عقب جولة مفاوضات حاسمة في بروكسل جمعت الجانب الإسباني بمفوض الاتحاد الأوروبي ونظيره البريطاني. ويؤسس الاتفاق الذي نشرته الحكومة الإسبانية، يوم أمس الخميس، إطاراً قانونياً شاملاً يهدف إلى تعزيز التنمية الاقتصادية وضمان الحقوق الاجتماعية وتقوية آليات التعاون، مع التأكيد الصريح على أن موقف إسبانيا من سيادتها على الصخرة يبقى دون أي تغيير.
أبرز ما ينص عليه الاتفاق هو إنهاء “السياج” الفاصل بين جبل طارق وإسبانيا، وهو ما يعني إزالة آخر حاجز مادي داخل أوروبا القارية. وبموجب هذا الترتيب الجديد، سيتم إقرار حرية تنقل الأشخاص بين جبل طارق ومنطقة كامبو دي جبل طارق التابعة لجهة الأندلس، وهو إجراء سيستفيد منه بشكل مباشر نحو 15 ألف عامل يعبرون يومياً الحدود للعمل. ولن تُفرض مراقبة جوازات السفر بين الجانبين، في حين ستتولى إسبانيا تنفيذ مراقبة فضاء شنغن في ميناء ومطار جبل طارق، كما سيكون لها القرار النهائي في منح وتجديد تصاريح الإقامة.
أما على مستوى تنقل البضائع، فيضع الاتفاق نظاماً منسقاً للمراقبة الجمركية، حيث ستتولى إسبانيا مراقبة السلع الداخلة إلى جبل طارق، مع اعتماد مراقبة الأمتعة للمسافرين المتوجهين إلى الاتحاد الأوروبي أو إلى جبل طارق، بما يضمن احترام القواعد الأوروبية وحماية السوق الموحدة.
وفي المجال الضريبي، ينص الاتفاق على تقارب تدريجي في الضرائب غير المباشرة، إذ سيعتمد جبل طارق ضريبة تعادل الضريبة على القيمة المضافة ابتداءً بنسبة 15 في المائة عند دخول الاتفاق حيز التنفيذ، على أن يتم استكمال التقارب الكامل خلال ثلاث سنوات. كما يتضمن النص ترتيبات خاصة بمنتجات التبغ وفق المعايير الأوروبية، بهدف تفادي الاختلالات الاقتصادية وتعزيز العدالة الضريبية في المنطقة.
الشق البيئي يشكل بدوره محوراً أساسياً في الاتفاق، إذ ينص على مواءمة التشريعات البيئية مع المعايير الأوروبية، وإحداث آلية مشتركة لتقييم الأثر البيئي، بما يضمن حماية المجال الطبيعي المشترك واحترام الالتزامات البيئية المعتمدة داخل الاتحاد الأوروبي.
ويتضمن الاتفاق أيضاً ضمانات اجتماعية وآليات تنفيذ واضحة، من بينها إحداث آلية مالية لدعم التكوين المهني والتشغيل، وتدابير اجتماعية للحد من الفوارق في الدخل، وتعزيز التنسيق في مجال الضمان الاجتماعي، إضافة إلى إجراءات خاصة لحماية حقوق العمال العابرين للحدود. ويمنح الاتفاق لإسبانيا دوراً محورياً في تطبيقه، بما في ذلك صلاحية اقتراح تعليق العمل به، أو تفعيل آليات الحماية، أو حتى إنهائه عند الاقتضاء.
ويؤكد النص أن إسبانيا تحتفظ بكامل موقفها التاريخي والقانوني بخصوص السيادة على صخرة جبل طارق، وهو ما يشكل أحد الأعمدة الأساسية التي قامت عليها المفاوضات.
ويمثل هذا الاتفاق مرحلة مفصلية جديدة لأكثر من 300 ألف مواطن في منطقة كامبو دي جبل طارق، من خلال فتح آفاق اقتصادية جديدة وتعزيز الاستقرار المؤسساتي في منطقة ذات أهمية استراتيجية لإسبانيا ولأوروبا. كما يُنظر إليه كنموذج جديد للتعاون الإقليمي القائم على الثقة المتبادلة وتغليب مصلحة المواطنين والتنمية المشتركة.