19 يونيو 2026 / 21:41

بيت الصحافة

الملك خوان كارلوس.. فكرة الاستقرار بالمغرب أجهضتها الصحافة (1)

مارس 30 - 27 فبراير 2026

توفيق سليماني 

بعد أكثر من عقد على تنازله عن العرش لصالح ابنه، الملك الحالي فيليبي السادس، ومن منفاه الاختياري في أبوظبي، يقرر الملك الإسباني خوان كارلوس الأول أن يضع روايته الخاصة لمسار حياته في كتابه «خوان كارلوس الأول: المصالحة» (Juan Carlos I: Reconciliación)، وهو عمل يُقدَّم، وفق ما جاء في الغلاف، بوصفه شهادة مكتوبة «بقلب مفتوح ومن دون تنازلات»، يعبّر من خلالها عن مسار ملك، وعن أدوار عدد من الفاعلين في تاريخ إسبانيا المعاصر. في هذا السياق، لا يقدّم الملك نفسه كمنتصر أو كضحية، بل كشخص بلغ «شفق الحياة»، وبعيداً عن أسرته، يستعد لما يسميه «الاعتراف الأخير»، مؤكداً: «لا أملك الحق في البكاء، لكن لدي الحق في البحث عن المصالحة التي طالما حلمت بها مع البلد الذي أحبه وأحنّ إليه».

الكتاب، بحسب تقديم دار النشر، حدث غير مسبوق في التاريخ الإسباني، إذ لم يسبق لملك أن دوّن سيرته الذاتية بنفسه. وهو لا يكتفي باستعراض أربعين سنة من الحكم، بل يعود أيضاً إلى السنوات التي سبقت الديمقراطية الإسبانية، تلك التي يرى المؤلف أنه ساهم في بنائها. كما يعود بنا قروناً إلى الوراء لشرح كيف أن التنازل عن العرش حدث في تاريخ الملكيات الإسبانية، ولو أنه ظل استثناءً نادراً داخل هذا التقليد الملكي.

على طول صفحات الكتاب لا يتهرب من أكثر محطات التاريخ الحديث حساسية، ولا من الأفراح ولا من اللحظات القاسية في الحياة الشخصية، بل يرسم مساراً يبدأ في بلد غارق في حرب أهلية، وينتهي بإسبانيا الحديثة التي يعرفها العالم اليوم.

في الصفحة (44) من الكتاب، يتوقف خوان كارلوس عند لحظة تنازله عن العرش سنة 2014، مستحضراً كلمته الشهيرة التي دعا فيها إلى أن تتقدم «أجيال أصغر، بطاقة جديدة، قادرة على مواجهة تحديات الغد». ويقول إنه شعر بالفخر وهو يسلّم العرش لابنه، معتبراً أن الإسبان باتوا يملكون وريثاً «مؤهلاً جداً»، من حيث التكوين العسكري، والدراسة الجامعية، والخبرة الميدانية داخل البلاد وخارجها، إضافة إلى قدرته على التواصل مع المجتمع ومع قادة الدول. في تلك المرحلة، يصف علاقته بابنه بأنها كانت قائمة على التفاهم، حتى في ظل مشاكله الصحية، حيث كانا يتقاسمان لقاءات عمل منتظمة، ويحافظان على علاقة جيدة رغم اختلاف العمر والطباع.

غير أن أكثر المقاطع دلالة بالنسبة للقارئ المغربي هو ذلك الذي يتحدث فيه الملك السابق عن الخيارات التي راودته بعد خروجه من دائرة الحكم، ورغبته في الابتعاد عن «الضوء الإعلامي الإسباني». يقول خوان كارلوس إنه تخيّل في البداية الاستقرار في البرتغال، البلد الذي قضى فيه جزءاً مهماً من شبابه، والذي يعتبره «وطناً ثانياً»، حيث له أصدقاء ويتقن لغته. لكنه سرعان ما استبعد هذا الخيار، معتبراً أن الصحافيين و«الباباراتزي» كانوا سيحددون مكان وجوده خلال ساعات، كما هو الحال في أي بلد أوروبي آخر.

يرد ذكر المغرب بشكل صريح ولافت. إذ يكتب الملك قائلا: «المغرب، الذي يُعد أيضاً بلداً يرتاده الإسبان بكثرة، لم يكن بعيداً بما يكفي» (ص. 44). هذه الجملة القصيرة، الواردة في سياق بحثه عن الخصوصيّة بعيدا عن الصحافة، تحمل أكثر من دلالة: فهي من جهة تعكس حجم الحضور الإسباني في المغرب، ومن جهة أخرى تبرز كيف كان القرب الجغرافي والإنساني بين البلدين عاملاً حاسماً في استبعاد المغرب كوجهة محتملة للابتعاد عن الإعلام. لكنها، في الوقت نفسه، تبرز العلاقة الوطيدة التي تجمع الملك خوان كارلوس بالمغرب وبالأسرة الملكية المغربية وبالمغاربة؛ فلولا هذا القرب من إسبانيا، لكان خوان كارلوس قد اختار العيش في المغرب.

ويضيف الملك أن هدفه الأساسي كان الخروج من بؤرة التركيز الإعلامي الإسباني، والبحث عن «مكان بعيد، ومضياف، يضمن لي الخصوصية والأمن»، إضافة إلى توفر بنية تحتية صحية متقدمة تحسباً لأي طارئ صحي. ويستعرض في هذا الإطار خيارات بعيدة مثل أستراليا ونيوزيلندا، قبل أن يصل إلى التفكير في الإمارات، حيث وجد، حسب ما يوحي به النص، المسافة الجغرافية والسياسية والرمزية التي كان يبحث عنها.

هذا الكتاب لا يقدّم تحليلاً سياسياً للعلاقة بين إسبانيا والمغرب، لكنه يضع المغرب داخل سرد شخصي حساس، مرتبط بلحظة انتقالية في حياة ملك سابق. ومن هنا تبرز أهمية تقديمه للقارئ المغربي والعربي، فالمغرب لا يظهر فقط كفاعل سياسي، بل كفضاء إنساني وسياحي مألوف للإسبان، إلى درجة أنه لا يحقق شرط «المسافة والخصوصية» اللذين كان الملك يبحث عنهما. وهي دلالة لا يمكن فصلها عن عمق العلاقات وتشابك المسارات بين الضفتين.

بهذا المعنى، تفتح الحلقة الأولى من هذا المشروع السردي نافذة على كيفية حضور المغرب والمغاربة والعالم العربي في الذاكرة الشخصية لخوان كارلوس الأول، كما تتيح للقارئ اكتشاف وقائع وأحداث ومواقف وقصص يرويها الملك شخصياً، بصيغة الاعتراف والمراجعة.

التصنيف : اسبانيا المغرب ثقافة