20 يونيو 2026 / 00:14

بيت الصحافة

المغرب والمكسيك بعد 64 عاماً: تقارب حذر وقرار شجاع مؤجَّل

مارس 30 - 18 فبراير 2026

توفيق سليماني* 

رغم الدور الكبير والرائد الذي تقوم به الدبلوماسية البرلمانية المغربية في تعزيز وتحسين العلاقات الثنائية بين المغرب والمكسيك، إلا أنها تبقى غير كافية في ظل ما يمكن وصفه بـ«التقارب الحذر» بين البلدين. خلال الأشهر الأخيرة تابعنا محاولات لتنشيط الدبلوماسية الاقتصادية والنقابية والثقافية، غير أن الطابع الظرفي والقطاعي ما يزال يغلب عليها. ويجب الإشارة إلى أن الدبلوماسية البرلمانية والتقليدية والرسمية والاقتصادية تتحرك في أمريكا اللاتينية في إطار من التناغم والتكامل والتنسيق، عكس ما يعتقده البعض. فالمغرب يتوفر على خط دبلوماسي واضح قائم على الدفاع عن وحدته الترابية وعن مصالحه الاستراتيجية والحيوية.

 

هذه السنة يحتفل البلدان بمرور 64 سنة على إقامة العلاقات الثنائية. لكن عند العودة إلى الوراء، يتبين أن ما تحقق لا يرقى إلى مستوى تطلعات الشعبين ولا إلى حجم ووزن البلدين وموقعهما الاستراتيجي. فهما بلدان يتشابهان في كثير من الجوانب؛ كلاهما عانى من ويلات الاستعمار ومن اقتطاع أجزاء من أراضيهما، ويُنظر إليهما كقنطرة بين الشمال والجنوب العالمي (Sur Global). وإذا كان المغرب يشكل حلقة وصل بين أوروبا وإفريقيا والعالم العربي، فإن المكسيك تُعد بدورها حلقة ربط بين أمريكا الشمالية وأمريكا اللاتينية. كما أن المغرب بلد منشأ وعبور للمهاجرين، وهو الوصف نفسه الذي ينطبق على المكسيك. ومع ذلك، يختلف البلدان من حيث اللغة ونظام الحكم وفي جوانب أخرى عديدة.

غير أن النقطة الخلافية الجوهرية بين البلدين تظل مرتبطة بموقف المكسيك من قضية الصحراء، إذ يدعم هذا البلد اللاتيني جبهة البوليساريو، كما أن العاصمة مكسيكو تحتضن سفارة مغربية وفي الوقت نفسه «مقر بعثة» البوليساريو. شخصياً، أعتقد أن هذا الموقف المكسيكي يعرقل بشكل كبير تطوير العلاقات الثنائية، دون إغفال عاملَي المسافة الجغرافية والزمنية بين البلدين، ما يصعّب، على سبيل المثال، التبادل التجاري والتلاقح الثقافي. وهناك عامل ثالث يتمثل في ذهنية وفلسفة الفاعلين الاقتصاديين، وخاصة المقاولين ورجال الأعمال المغاربة، الذين يفكرون غالباً في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية قبل التفكير في أمريكا اللاتينية، والعكس صحيح؛ فبالنسبة لكثير من المكسيكيين، وخاصة رجال الأعمال، ينتهي العالم عند حدود الولايات المتحدة الأمريكية.

هذا التحليل بسطته أمام دبلوماسي مكسيكي يعرف المغرب جيداً. وخلال دردشة قصيرة، استمعت إلى وجهة نظره، حيث عبّر عن أسفه الشديد لواقع العلاقات الثنائية بين البلدين. بادرته بالقول إن العلاقات تتطور تدريجياً، ففكّر ملياً قبل أن يجيب: «أتمنى ذلك، لكن الواقع ليس كما تراه».

ذكّرته بنشاط الدبلوماسية البرلمانية بين البلدين وبكثرة تبادل الزيارات واللقاءات، فأجاب بأن الأهم هو ما تقوم به الحكومتان، متسائلاً عمّا إذا كان هناك تواصل فعلي وعمل مشترك واتفاقيات بين الحكومتين. ويرى هذا الدبلوماسي أن نشاط الدبلوماسية البرلمانية يعود بالأساس إلى الاستراتيجية البرلمانية الهجومية التي يعتمدها المغرب في أمريكا اللاتينية بدل الاكتفاء بالدفاع، غير أنه، في نظره، عندما يتعلق الأمر بدولة كبرى مثل المكسيك، يظل العمل الحكومي محورياً وحاسماً.

تطرقنا بعد ذلك إلى الثقافة والشعر، وكنت أسعى من خلال ذلك إلى تمهيد الطريق لسماع رأيه بشأن نزاع الصحراء، خاصة بعد تبني مجلس الأمن، في أكتوبر المنصرم، القرار 2797، الذي ينص على حصرية الحكم الذاتي كحل للنزاع. بالكاد أنهيت السؤال حتى قاطعني قائلاً: «بعد القرار الأممي الأخير، تواصل معي أصدقاء ومسؤولون مغاربة يقولون إنه حان الوقت لكي تتبنى المكسيك الموقف نفسه». وأضاف: «الأمر ليس بالهين، فالمكسيك ليست الولايات المتحدة ولا فرنسا ولا إسبانيا، ولا يمكن تغيير الموقف بين عشية وضحاها».

كما أعرب عن أسفه لكون الكثير من المغاربة لا يعرفون خصوصية وفلسفة الدبلوماسية المكسيكية، موضحاً أن المكسيك تعطي الأولوية لـ«المبادئ قبل المصالح»، وذكّرني بالقضية الفلسطينية. سألته بدوري عمّا إذا كان الأمر يتعلق بمبادئ أم بعقيدة أيديولوجية، وقدمت له شرحاً مختصراً للملف بحكم ضيق الوقت. ومع ذلك، بدا لي أن المكسيك تحتاج إلى وقت لفهم قضية الصحراء في شموليتها وتفاصيلها، بعيداً عن الرواية الأحادية التي سادت لعقود في هذا البلد.

ساد صمت قصير قبل أن ننتقل إلى الحديث عن الاقتصاد والتجارة. قلت له إن العلاقات الاقتصادية والتجارية لا ترقى إلى مستوى تطلعات الشعبين، فأجاب: «صحيح، إنها ضعيفة جداً، لكن تذكّر أن هناك ثلاث شركات مكسيكية في المغرب، في حين لا توجد أي شركة مغربية في المكسيك». واتفق معي على أن الإشكال في المجالين التجاري والاقتصادي يعود إلى بُعد المسافات وإلى ذهنية المستثمرين. وأضاف: «المكسيكيون يفكرون كثيراً في الولايات المتحدة الأمريكية، لكن المشكل الأكبر هو غياب الإرادة السياسية».

وقدّم لي معطى آخر، لم تكن لدي حينها معلومات مؤكدة بشأنه، لكنه يبدو أنه يزعج الحكومة المكسيكية. ففي سنة 2019 صادقت الحكومة المغربية على إحداث شركة تابعة للمجمع الشريف للفوسفاط (OCP) في المكسيك لتعزيز حضور العملاق المغربي في أمريكا اللاتينية. ووقع الاختيار على مدينة غوادالاخارا لتكون مقراً لهذه المحطة، غير أن الدبلوماسي أعرب عن تخوفه من احتمال نقلها إلى بنما، ما قد يسهم في عدم تطوير العلاقات الثنائية.

هذا التخوف، منطقياً، لا أساس له، لأن بنما، من حيث الوزن التجاري والاقتصادي والسياسي والدبلوماسي والجيوستراتيجي، لا يمكن مقارنتها بالمكسيك. فلا يعقل أن يتخلى المغرب عن سوق بحجم المكسيك، خاصة في ظل اقتراب ملف الصحراء من الحسم بعد القرار الأممي الأخير ومحادثات مدريد التي نصت على إحداث لجنة قانونية للتنسيق بشأن الوثيقة الموسعة للحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب.

هذه التخوفات دفعتني إلى الاستماع إلى وجهة نظر دبلوماسية مغربية. أحد الدبلوماسيين المغاربة الملمين بأمريكا اللاتينية كان واضحاً ودقيقاً، مؤكداً أن مغربية الصحراء واحترام سيادة المغرب يشكلان ركناً أساسياً. وأشار إلى أن الكرة باتت في ملعب المكسيك بعد القرار الأخير لمجلس الأمن والمحادثات التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية حول الحكم الذاتي في الصحراء المغربية. وعندما سألته عن إمكانية نقل محطة الفوسفاط المغربية من المكسيك إلى بنما، استغرب الأمر مؤكداً أن الفكرة لا تستقيم منطقياً، إذ لا يمكن نقل شركة من أكبر سوق في أمريكا اللاتينية إلى سوق صغيرة. وضرب المثل بالبون الشاسع بين الكثافة السكانية بين المكسيك (132 مليون نسمة) وبنما (4.6 مليون نسمة).

وأضاف أنه حتى في حال التفكير في نقل المحطة، فإن الوجهة المنطقية ستكون دولة مثل الأرجنتين، علماً أن للمغرب شراكات قائمة في مجال الفوسفاط مع البرازيل، ما يجعل فرضية بنما غير واقعية. وشدد في المقابل على أن تبني المكسيك موقفاً واضحاً من مغربية الصحراء من شأنه أن يمنح دفعة قوية لهذه العلاقات التي لا تزال دون المستوى المطلوب. الكرة اليوم في ملعب الجانب المكسيكي: La pelota está en el tejado de México.

حديث الفوسفاط أعاد إلى ذاكرتي حواراً أجريته قبل سنة مع مارسيلا غيرا كاستيو، عضو مجلس الشيوخ عن ولاية نيفو ليون والرئيسة السابقة لمجلس النواب المكسيكي، والتي شغلت أيضاً عضوية مجلس الشيوخ بين 2012 و2018. كنت قد سألتها آنذاك عن تقييمها لوضعية العلاقات بين المكسيك والمغرب في القرن الحادي والعشرين، في ظل ضعف العلاقات التجارية والاقتصادية رغم متانة العلاقات الدبلوماسية البرلمانية.

فأجابت قائلة: «المغرب هو المنتج الرئيسي للفوسفاط في العالم، ويمكننا الدخول في علاقة تجارية مباشرة في هذا المجال، بحيث تصبح المكسيك بوابة أمريكا اللاتينية لتسويق الفوسفاط المغربي. فالفوسفاط مادة بالغة الأهمية ومتعددة الاستخدامات».

شخصياً، ليست لدي معطيات مؤكدة بخصوص قضية الفوسفاط، لكنني أتمنى أن تتطور العلاقات الثنائية مع المكسيك، وأن يلعب الاقتصاد والتجارة دور colchón de interés، أي دور «الواقي» أو «حزمة المصالح» التي تحمي العلاقات في الفترات الصعبة. هذه العبارة المتداولة في العلاقات المغربية الإسبانية يمكن إسقاطها أيضاً على العلاقات المغربية المكسيكية.

وفي الختام، أستحضر ما قالته لي ماريا كاريتيرو رانخيل، رئيسة «المرصد المكسيكي للصحراء المغربية»، في حوار أجريته معها السنة الماضية: «إن الاحتفال بمرور 63 عاماً على العلاقات الدبلوماسية يمثل فرصة للتأمل في الإنجازات، وفي الوقت نفسه لتحديد مجالات أخرى لتطويرها. لذلك، يجب تكثيف الحوار، ليس فقط في المجال الدبلوماسي، بل أيضاً على مستوى التعاون الثقافي والتعليمي والاقتصادي. ومن خلال تعزيز هذه المجالات، يمكننا بناء تحالف أقوى وأكثر مرونة، يرتكز على القيم المشتركة المتمثلة في الاحترام والتضامن والتنمية المشتركة».

—————————-

(*) صحافي متخصص في الشؤون المغربية-الإسبانية-الأمريكولاتينية 

التصنيف : آراء المغرب تحاليل دبلوماسيا وجيوسياسا