20 يونيو 2026 / 00:11

بيت الصحافة

ما الحلّ مع إيران؟

مارس 30 - 14 فبراير 2026

يقدّم الكاتب والدبلوماسي الإسباني خورخي ديثكايار، أول مدير لمركز الاستخبارات الإسباني وسفير سابق لبلاده في الرباط وواشنطن ودولة الفاتيكان، مقالة رأي عميقة يحاول من خلالها تفكيك المأزق الدولي المتفاقم في التعامل مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، في سياق دولي سريع التحوّل، تنتقل فيه بؤرة الاهتمام من ملف إلى آخر بوتيرة متسارعة، قبل أن تعود إيران لتفرض نفسها من جديد باعتبارها أحد أكثر الملفات إرباكاً للمجتمع الدولي.

ينطلق ديثكايار من توصيف عام لطبيعة النظام الإيراني، معتبراً أنه نظام ثيوقراطي خارج السياق الدولي السائد، يمارس قمعاً واسعاً ضد مواطنيه، ونجح عبر سياساته في استجلاب عداء دولي متزايد. وفي هذا الإطار، يذكّر بأن الاتحاد الأوروبي اتخذ خطوة لافتة بتصنيف الحرس الثوري الإيراني منظمة إرهابية، رداً على ما يجري من قمع دموي في الداخل، من دون أن يرافق ذلك، كما يلاحظ الكاتب، أي حراك شعبي واسع في الشارع الأوروبي تضامناً مع الشعب الإيراني.

ويرى الكاتب في تحليل نشره على صفحات جريدة “إلبيريوديكو” الكتالونية أن الأنظار الأميركية اتجهت بدورها مجدداً نحو إيران، في ظل تردّد واضح داخل واشنطن بشأن الخط الذي ينبغي اتباعه، مع التذكير بأن التعامل مع مثل هذه الملفات، من حيث المبدأ، يدخل في صلب اختصاص الأمم المتحدة، بوصفها الجهة التي تحتكر شرعية استخدام القوة في العلاقات الدولية، وإن كان هذا المبدأ، كما يقرّ، يصطدم بواقع دولي مختلف تماماً عمّا تنص عليه القواعد النظرية.

ويحدّد ديثكايار بدقة أربع قضايا أساسية تشكّل مصدر إزعاج دائم للمجتمع الدولي في علاقته مع إيران، أولها الملف النووي، وثانيها برنامج الصواريخ، وثالثها دعم طهران لقوى وجماعات مسلّحة تساهم في زعزعة استقرار المنطقة، ورابعها طريقة تعامل النظام مع شعبه. ويشدد على أن أياً من هذه القضايا لا يملك حلاً سهلاً أو سريعاً.

في ما يخص الملف النووي، يذكّر الكاتب بأن انسحاب الإدارة الأميركية من الاتفاق النووي الذي وُقّع في عهد باراك أوباما أدخل الوضع في مزيد من التعقيد. فالضربات الأميركية والإسرائيلية التي نُفذت في يونيو الماضي لم تؤدِّ إلى توضيح الصورة، بل زادتها غموضاً. ورغم إعلان الرئيس الأميركي آنذاك “تدمير” القدرات النووية الإيرانية، يؤكد ديثكايار أن الواقع لا يزال مجهولاً: لا يُعرف بدقة ما الذي خسرته إيران فعلاً، وما الذي نجحت في إنقاذه أو إخفائه، وما الذي بقي مدفوناً تحت الأنقاض. ويزداد هذا الغموض، بحسبه، بعد طرد الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ما يحرم المجتمع الدولي من أي قدرة حقيقية على التحقق مما يجري داخل إيران.

ويذهب الكاتب إلى الجزم بأن إسرائيل، إذا توصّلت إلى قناعة بأن طهران استأنفت تخصيب اليورانيوم، فلن تتردد في شن ضربات جديدة، لأن هذا الملف يُعد بالنسبة لتل أبيب مسألة وجودية لا تقبل التهاون، وهي في ذلك تحظى بدعم أميركي كامل.

أما في ما يتعلق ببرنامج الصواريخ، فيؤكد ديثكايار أن إيران تمتلك صناعة صاروخية متطورة، قادرة على إنتاج صواريخ دقيقة يمكن أن يصل مداها إلى إيطاليا، جنوب أوروبا. ورغم أن منظومة الصواريخ الإيرانية تعرّضت لقصف شديد خلال العام الماضي، إلا أنها أظهرت قدرة واضحة على التعافي. ويشير الكاتب إلى أن هذا العامل يفسّر إلى حد كبير دعوات التهدئة التي تطلقها دول الخليج حالياً تجاه واشنطن، خوفاً من أن تتحول أراضيها، التي تحتضن قواعد عسكرية أميركية، إلى أهداف مباشرة في حال اندلاع مواجهة واسعة مع إيران.

وعلى مستوى الدور الإقليمي، يلاحظ ديثكايار أن القلق الدولي من سياسة طهران في هذا المجال تراجع نسبياً، ليس لأنه انتهى، بل لأن حلفاء إيران يمرّون بمرحلة ضعف واضحة. فسقوط نظام الأسد في سوريا، واستمرار القصف الإسرائيلي شبه اليومي لحماس وحزب الله، أضعفا موقع طهران الإقليمي، غير أن هذا لا يعني نهاية نفوذها. فالحوثيون في اليمن، والميليشيات الشيعية في العراق، ما زالوا يشكلون، بحسب توصيفه، خط دفاع متقدماً لإيران، خاصة في ظل ما يعتبره فتوراً في دعم كل من روسيا والصين لها خلال حرب العام الماضي.

ويصل الكاتب إلى النقطة الأكثر حساسية، وهي القمع الداخلي والقمع المرتكب بحق المتظاهرين. ينتقد ديثكايار بوضوح الخطاب الأميركي الذي شجّع المحتجين على الاستمرار في التظاهر و”السيطرة على المؤسسات”، مع وعود بأن المساعدة في الطريق، في إشارة إلى إرسال مجموعة بحرية عسكرية تضم حاملة طائرات، من دون أن يترجم ذلك إلى أي تحرك فعلي على الأرض. ويرى في هذا الموقف احتمال تكرار لسيناريو “الخط الأحمر” الذي أعلنه باراك أوباما في سوريا بشأن استخدام السلاح الكيميائي، ثم جرى تجاوزه من دون ردّ حاسم.

ويعتبر الكاتب أن تشجيع الناس على مواجهة آلة قمع شرسة، ثم تركهم وحدهم في مواجهة المصير، لا يعزّز الثقة في القيادة الأميركية، خصوصاً أن إيران، بدولة يبلغ عدد سكانها نحو 90 مليون نسمة، ليست حالة بسيطة يمكن مقارنتها بدول أخرى. كما يشكك في جدوى أي ضربات عسكرية جديدة لا تترافق مع وجود بري، وهو خيار مستبعد، متسائلاً عمّا يمكن أن تحققه فعلاً: هل ستؤدي إلى إسقاط النظام؟ وإن سقط، فما البديل؟ أم أنها ستفضي إلى تعزيز قبضته، أو إلى زعزعة استقرار المنطقة بأسرها عبر ردود إيرانية تستهدف حقول النفط في شبه الجزيرة العربية أو الممرات البحرية الحيوية، مثل مضيقي هرمز وباب المندب، التي يمر عبرها جزء كبير من إمدادات الطاقة العالمية.

ويختم ديثكايار مقاله بالتأكيد على أن التاريخ يعلّمنا أنّ الأزمات المعقّدة ليست لديها حلولٌ سهلة، بل تتطلّب قراراتٍ ذكيّة. ومن هذا المنطلق، يرى أن الخيار الأقل سوءاً يتمثل في إنجاح المسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران، برعاية سلطنة عُمان، رغم تشاؤمه من صعوبة الشروط الأميركية، وعلى رأسها المطالبة بوقف كامل لتخصيب اليورانيوم. فإيران، كما يذكّر، إمبراطورية قديمة ذات كبرياء تاريخي، تعيش اليوم أزمة اقتصادية خانقة، ونظاماً يرفضه جزء كبير من شعبه، كما يرفضه المجتمع الدولي بأسره.

التصنيف : الشرق الأوسط تحت المجهر دبلوماسيا وجيوسياسا