يرى المؤرخ والمتخصص في العلاقات الدولية، الإسباني فلورنتينو بورتيرو، أن اللحظة الدبلوماسية الراهنة تؤكد تحوّلًا واضحًا في التصور الغربي للنزاع حول الصحراء، ويؤكد أن «الكتلة الغربية تفترض أن المغرب قد حسم هذه المعركة»، وهي خلاصة ترسّخت تدريجيًا انطلاقًا من قرارات سياسية ملموسة اتخذتها الولايات المتحدة، ثم حظيت لاحقًا بدعم عدد من الدول الأوروبية، من بينها إسبانيا وفرنسا.
وفي مقابلة مع صحيفة «إل بيريوذيكو إكستريمادورا»، يوضح بورتيرو أن إعادة تفعيل الحوار في مدريد بشأن الصحراء بين المغرب وجبهة البوليساريو والجزائر وموريتانيا، برعاية ووساطة من الولايات المتحدة، تأتي استجابة لقراءة استراتيجية أوسع تتجاوز الإطار الإقليمي الضيق. وبحسب المحلل، فإن هذه الخطوة تندرج ضمن «استراتيجية المغرب — وبصورة أوسع، عدد من الدول العربية — لتعزيز علاقاته مع الولايات المتحدة ومع إسرائيل»، وهو توجه دفع واشنطن إلى اعتبار الرباط «شريكًا موثوقًا».
ويشدد بورتيرو على أن مكانة المغرب كشريك موثوق للولايات المتحدة الأميركية كانت له تبعات سياسية مباشرة وملموسة. ويقول: «باعتبارها شريكًا موثوقًا، أمريكا خدمات. الأولى كانت الاعتراف بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية»، مذكّرًا بأن هذه المبادرة الأولى من الولايات المتحدة حظيت لاحقًا بدعم فرنسا، التي يصفها بأنها «فاعل رئيسي آخر في المغرب العربي». ومنذ ذلك الحين، يضيف، بدأت دول غربية أخرى في الاصطفاف ضمن الإطار الذي حدده أحدث قرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وهو القرار 2797 الذي طرح الحكم الذاتي للصحراء تحت السيادة المغربية بوصفه «الخيار الأكثر واقعية لحل النزاع».
كما يتناول المؤرخ دور إسبانيا في هذا السياق الجديد، ويصفه بأنه نتيجة لاستراتيجية سابقة قامت على مبدأ الوقوف على مسافة متساوية بين المغرب والجزائر. ويقول: «حافظت إسبانيا على موقف مختلف، قائم على استراتيجية التوازن بين الجزائر والمغرب» إلى حدود سنة 2022، مضيفًا، برأيه، أن «لا دولة أوروبية تلعب اليوم ورقة دبلوماسية مستقلة» في ملف الصحراء. ويمكن تفسير إعادة تنشيط الحوار برغبة واشنطن، وفق بورتيرو، في طمأنة الجزائر، وهي دولة باتت تعاني من عزلة متزايدة على الساحة الدولية.
وفي هذا السياق، يشير المحلل إلى أن الجزائر تحافظ على «علاقة ملتبسة مع روسيا»، ولا تتوفر حاليًا على «دعم دولي ذي وزن»، وهو ما يفسر الجهود الأمريكية الرامية إلى خفض التوترات والانفتاح على الجزائر في سياق دولي يتسم بتنافس القوى الكبرى. غير أن بورتيرو يوضح أن هذا السعي إلى التوازن لا يغيّر جوهر المسألة.
ويكرر قائلاً: «الكتلة الغربية تفترض أن المغرب قد ربح هذه المعركة»، قبل أن يخلص إلى أن «الخاسرين الأكبرين هما الجزائر، وبدرجة أقل إسبانيا»، في إشارة إلى الكلفة السياسية للاستمرار لسنوات في موقف بات من الصعب الدفاع عنه في ظل التوازنات الإقليمية والدولية الجديدة.
ويُذكر أن الحكومة الإسبانية بقيادة الاشتراكي بيدرو سانشيز تدعم منذ مارس 2022 مبادرة الحكم الذاتي للصحراء تحت السيادة المغربية.