اختتم محمد ولد الرشيد، رئيس مجلس المستشارين، اليوم الثلاثاء، الدورة الأولى من السنة التشريعية الخامسة من الولاية التشريعية 2021-2027، مؤكدا أن هذه المحطة الدستورية والمؤسساتية تستدعي وقفة تأمل لتقييم مسار المجلس خلال الدورة واستحضار حجم المسؤوليات الملقاة على عاتق مختلف مكوناته واستشراف آفاق تطوير أدائه بما يعزز مكانته كمؤسسة دستورية فاعلة وذات قيمة مضافة نوعية داخل النظام البرلماني، معبرا عن بالغ التقدير والاعتزاز بما طبع الأشغال من روح مسؤولية عالية ونقاش جاد وانخراط فاعل في الاضطلاع بالأدوار الدستورية في تمثيل الأمة، وهو ما مكن المجلس من ضمان حسن سير أشغاله بسلاسة ونجاعة وترسيخ ممارسة برلمانية رصينة قوامها العمل المتواصل وتغليب جوهر الفعل المؤسساتي بما يواكب انتظارات المجتمع المغربي في انسجام مع الرؤية الإصلاحية الشاملة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس.
وأوضح رئيس المجلس أن الدورة انعقدت في سياق وطني ودولي بالغ الدقة والتعقيد يطبعه اللايقين، تتقاطع فيه التحولات الجيوسياسية مع الإكراهات الاقتصادية والطاقية والمناخية وتتزايد فيه الانتظارات الاجتماعية، بما يفرض على الدول تعزيز مناعتها الداخلية وتطوير نماذجها التنموية وتجويد سياساتها العمومية، مشددا على أن المغرب يواصل تحت القيادة الرشيدة لجلالة الملك مواجهة هذه التحولات بثقة وثبات وبمقاربة تقوم على الاستباق والحكمة والاستشراف، مستندا إلى اختيارات استراتيجية واضحة وإصلاحات هيكلية متراكمة تضع المواطن في صلب السياسات العمومية وتعزز الاستقرار السياسي والمؤسساتي بما يسهم في ترسيخ صورة البلاد كفاعل موثوق إقليميا ودوليا.
وفي السياق نفسه، اعتبر ولد الرشيد أن احتضان المملكة للدورة الخامسة والثلاثين لكأس إفريقيا للأمم لكرة القدم عزز هذه الموثوقية على أرض الواقع، مقدما لإفريقيا وللمنتظم الدولي صورة المغرب الصاعد القادر على الارتقاء بتنظيم التظاهرات الكبرى إلى مستويات تعكس نضج النموذج ونجاعة المسار، وتؤكد جاهزية المملكة، ومن الآن، لاحتضان الاستحقاقات العالمية الكبرى وفي مقدمتها كأس العالم وكبرى التظاهرات العالمية، مبرزا أن العمل البرلماني يتخذ موقعه الطبيعي في صميم الدينامية الإصلاحية مواكبا لمسار الأوراش الكبرى ومكرسا تكامل الأدوار بين مختلف الفاعلين ومنهجية الإصلاح المتدرج التي ميزت التجربة الوطنية خلال السنوات الأخيرة.
وعلى هذا الأساس، أكد رئيس مجلس المستشارين أن المجلس اضطلع خلال هذه الدورة باختصاصاته الدستورية في مجالات التشريع والرقابة وتقييم السياسات العمومية والدبلوماسية البرلمانية بروح المسؤولية والانخراط البناء واعتماد الحوار والتوافق والتعاون المؤسساتي بما يعزز الثقة في مجلس المستشارين كمؤسسة برلمانية متفردة بخصوصيتها وامتداداتها المجالية والاجتماعية، مبرزا أن الدورة تزامنت مع لحظة سيادية بالغة الدلالة تمثلت في إقرار صاحب الجلالة الملك محمد السادس يوم 31 أكتوبر عيدا وطنيا للوحدة عقب القرار الأممي التاريخي رقم 2797 الذي جدد التأكيد على وجاهة مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتبارها الحل السياسي الجاد وذا المصداقية للنزاع الإقليمي المفتعل، وهو ما اعتبره تتويجا لمسار متواصل من العمل الدبلوماسي الرصين والهادئ الذي يقوده جلالته ويتعزز بمواقف متقدمة لشركاء أساسيين آخرها موقف الاتحاد الأوروبي الذي يعكس تقاطعا بين الدول الأعضاء حول وجاهة المبادرة المغربية وانتقال الدعم من المواقف الفردية إلى الالتزام الجماعي للاتحاد.
وأضاف ولد الرشيد أن مجلس المستشارين يواصل جعل الدفاع عن الوحدة الترابية في صدارة أولوياته من خلال انخراطه الفاعل في الدبلوماسية البرلمانية والترافع عن عدالة القضية الوطنية في مختلف المحافل الإقليمية والدولية، مقدما عرضا مركزا لحصيلة المجلس خلال الدورة على مستوى التشريع والرقابة وتقييم السياسات العمومية والعلاقات المؤسساتية والدبلوماسية البرلمانية، حيث وافق المجلس عبر اثنتي عشرة جلسة تشريعية على سبعة عشر مشروع قانون شملت ثلاثة مشاريع قوانين تنظيمية وأربعة مشاريع قوانين عادية في إطار قراءة ثانية وأربعة مشاريع وردت بالأسبقية طبقا لأحكام الفصل 78 من الدستور، مبرزا أن الحصيلة كرست دور المؤسسات الدستورية في النهوض بالحقوق والحريات الأساسية وتعزيز الولوج إلى التعليم والإعلام والرعاية الاجتماعية وحماية الطفولة، فضلا عن تعزيز الإطار القانوني للمحكمة الدستورية وتحصين القواعد الزجرية بشأن بعض الجرائم المتعلقة بالأوراق التجارية، والنهوض بمنظومة تعويض المصابين في حوادث تسببت فيها عربات ذات محرك، وتعزيز الإطار القانوني لمؤسسات الأعمال الاجتماعية في قطاعي العدل وإدارة السجون والسلطة القضائية.
وفي ما يتعلق بمشروع قانون المالية، أوضح رئيس المجلس أنه حظي باهتمام خاص باعتباره آخر قانون للمالية في الولاية الحكومية الجارية، حيث قدمت 227 تعديلا قبل منها 72 تعديلا، كما أبرز من بين النصوص المصادق عليها تلك المرتبطة بالمنظومة القانونية المؤطرة للانتخابات التشريعية المقبلة، عبر المصادقة على القانون التنظيمي رقم 53.25 المتعلق بمجلس النواب والقانون التنظيمي رقم 54.25 المتعلق بالأحزاب السياسية والقانون رقم 55.25 المتعلق باللوائح الانتخابية العامة وعمليات الاستفتاء واستعمال وسائل الاتصال السمعي البصري العمومية خلال الحملات الانتخابية والاستفتائية، مؤكدا أن هذه النصوص تمت الموافقة عليها قبل نهاية سنة 2025 بما يستجيب للتوجيهات الملكية السامية ويعزز ركائز الممارسة الديمقراطية.
وفي إطار النهوض بمنظومة التعليم، أشار ولد الرشيد إلى مصادقة المجلس على مشروع القانون رقم 59.21 المتعلق بالتعليم المدرسي ومشروع القانون رقم 59.24 المتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي، باعتبارهما دعامتين في تنزيل القانون الإطار لمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، إلى جانب الموافقة على مشروع قانون المسطرة المدنية في صيغته الجديدة بعد ترتيب الأثر عن قرار المحكمة الدستورية، مؤكدا أن السيدات والسادة المستشارين أبانوا عن حرص كبير على أداء دور تشريعي فعال ومنتج، حيث بلغ عدد التعديلات المقترحة 1222 تعديلا تم قبول 271 منها وسحب 595 تعديلا ورفض 356 تعديلا بالتصويت، بينما انعقدت اللجان الدائمة 72 اجتماعا بما يقارب 240 ساعة عمل، تخللتها أيام دراسية من بينها يوم 13 أكتوبر 2025 حول مشروع قانون إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة ويوم 05 يناير 2026 حول مشروع قانون التعليم العالي والبحث العلمي، إضافة إلى مناقشة توصيات المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي والمجلس الوطني لحقوق الإنسان بشأن مشروع قانون رقم 26.15.
وعلى مستوى الجلسات العامة، أفاد رئيس مجلس المستشارين بأن المجلس عقد 34 جلسة عامة منها ثلاث جلسات مشتركة مع مجلس النواب، كان أبرزها الجلسة العامة المشتركة المنعقدة يوم الإثنين 03 نونبر 2025 للتداول في قرار مجلس الأمن حول قضية الصحراء المغربية الصادر في 31 أكتوبر 2025 تحت رقم 2797، كما عقد المجلس 14 جلسة أسبوعية للأسئلة الشفهية تم خلالها مساءلة 25 قطاعا حكوميا، واستحوذت القضايا الاجتماعية على حيز مهم من النقاشات عبر تتبع مخرجات الحوارات الاجتماعية القطاعية وملفات إصلاح أنظمة التقاعد والحد من بطالة الشباب وتثمين العمل المنزلي للنساء والسياسات العمومية الموجهة للشباب، إلى جانب اهتمام بالعالم القروي عبر قضايا الصحة وتأهيل المدارس ودعم الصيد التقليدي والفلاحة التضامنية وفك العزلة بعد التساقطات المطرية والثلجية والتزويد بالماء الشروب.
وسجل ولد الرشيد أن المجلس ناقش أيضا مواضيع آنية من بينها محاربة السكن العشوائي والمباني الآيلة للسقوط وتأهيل وعصرنة الموانئ والاستراتيجيات الرقمية وآفاق التعاون الاقتصادي المغربي الإفريقي والتسجيل في اللوائح الانتخابية والشركات الجهوية المتعددة الخدمات، كما عقد جلستين شهريتين لأجوبة رئيس الحكومة حول السياسة العامة، الأولى حول “التنمية الترابية ورهانات تحقيق العدالة المجالية” والثانية حول “السياسة الحكومية في مجال الرياضة: الإنجازات والرهانات”، مبرزا أنه تم التوصل بأجوبة عن التعهدات من وزراء التجهيز والماء والتجارة والصناعة وكاتبة الدولة المكلفة بالصيد البحري، منوها بالتفاعل الإيجابي لأعضاء الحكومة مع هذه الآلية.
وعلى مستوى الحصيلة الرقابية، أفاد بأن عدد الأسئلة الشفهية المتوصل بها خلال دورة أكتوبر 2025 بلغ 1020 سؤالا أجابت الحكومة على 317 منها خلال 14 جلسة عامة، ضمنها 95 سؤالا آنيا و222 سؤالا عاديا، فيما بلغ عدد الأسئلة الكتابية 739 سؤالا أجابت الحكومة على 302 سؤالا، مسجلا أن جلسات الدورة قاربت 70 ساعة واستحوذت جلسات الأسئلة الشفهية والتشريع على أكثر من 85% من مدتها.
وفي ما يرتبط بتقييم السياسات العمومية، أعلن ولد الرشيد أن مكتب المجلس حدد موضوع التقييم للجلسة السنوية برسم السنة التشريعية 2025-2026 في “السياسات العمومية في مجال مواجهة آثار التغيرات المناخية ومدى جاهزية المتدخلين للتعامل معها”، مشيرا إلى أن المغرب من بين البلدان الأكثر تعرضا للظواهر المناخية الصعبة، ومتوقفا عند ما تعيشه مدينة القصر الكبير وعدد من جماعات الغرب من مخاطر بسبب الفيضانات، حيث عبر المجلس عن تعاطفه مع المتضررين ونوه بمقاربة اليقظة والاستباق التي أرستها التوجيهات السامية لجلالة الملك وبروح التضامن والتآزر التي أبان عنها المغاربة، معلنا عن تشكيل مجموعة موضوعاتية مؤقتة لتحضير الجلسة السنوية في انتظار رفع تقريرها خلال دورة أبريل المقبلة.
وعلى صعيد العلاقات مع المؤسسات الدستورية، أبرز رئيس مجلس المستشارين انتخاب عضو جديد بالمحكمة الدستورية يوم الإثنين 26 يناير 2026 في إطار تجديد الثلث الثالث، وتوصل المجلس بقرارات للمحكمة الدستورية بشأن مشاريع قوانين تنظيمية ومشروعي قانون المسطرة المدنية وإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة وبعض القرارات المتعلقة بوضعية بعض الأعضاء، كما أشار إلى انعقاد جلسة عامة مشتركة مع مجلس النواب صباح الثلاثاء 03 فبراير 2026 لتقديم عرض الرئيس الأول للمجلس الأعلى للحسابات حول أعمال المجلس برسم 2024-2025، إضافة إلى توصل المجلس بتقرير رئاسة النيابة العامة برسم سنة 2024.
وفي محور الدبلوماسية البرلمانية، أكد ولد الرشيد أن مجلس المستشارين واصل ترسيخ التعاون البرلماني الثنائي ومتعدد الأطراف دفاعا عن القضايا الاستراتيجية للمملكة وفي صلبها القضية الوطنية، مشيرا إلى المشاركة في أشغال برلمان المجموعة الاقتصادية والنقدية لدول وسط إفريقيا “السيماك” بمالابو بجمهورية غينيا الاستوائية والتوقيع على “إعلان مالابو” الذي أكد أن مبادرة الحكم الذاتي تتسم بالمصداقية والجدية والدعم الدولي الواسع وتعد الحل الوحيد للنزاع المفتعل، كما تحدث عن مباحثات مع رئيسة مجلس الشيوخ بغينيا الاستوائية، مبرزا رمزية فتح قنصلية عامة لها بمدينة الداخلة سنة 2020، ومعربا عن الامتنان لدعمها لمغربية الصحراء ولمبادرة الحكم الذاتي.
وأضاف أن المجلس شارك في الدورة الأولى لمؤتمر رؤساء البرلمانات بإسلام آباد بجمهورية باكستان الإسلامية، مؤكدا التزام البرلمان المغربي بدعم السلم والأمن وتسوية النزاعات بالطرق السلمية واحترام القرارات الأممية وسيادة الدول ووحدة أراضيها، مع تضمين هذه المبادئ كتعديلات في مشروع “إعلان إسلام آباد”، مشيرا إلى لقاءات ثنائية على هامش المؤتمر مع عدد من رؤساء البرلمانات بإفريقيا وآسيا، كما شارك المجلس في أشغال الجمعية 151 للاتحاد البرلماني الدولي تحت شعار دعم العمل الإنساني في أوقات الأزمات، وأجرى لقاءات ثنائية مع رؤساء برلمانات واتحادات برلمانية إقليمية للتعريف بمواقف المغرب ومركزية قضية الوحدة الترابية وصوابية مبادرة الحكم الذاتي.
وفي إطار الدينامية الثنائية، أشار ولد الرشيد إلى زيارة رسمية لمملكة البحرين بدعوة من رئيس مجلس الشورى علي بن صالح الصالح، توجت ببيان مشترك جدد دعم البحرين لمغربية الصحراء ولمبادرة الحكم الذاتي ورحب بقرار مجلس الأمن رقم 2797 الصادر في 31 أكتوبر 2025، كما ذكر استقبال سفراء بلدان آسيا والمحيط الهادي المعتمدين بالمغرب، وإجراء لقاءات ومحادثات مع مسؤولين برلمانيين وحكوميين ودبلوماسيين من بينهم رئيس وزراء السنغال ورؤساء برلمانات ومجالس بعدة دول، إلى جانب وفد عن المجموعة البرلمانية الإيطالية المساندة لمبادرة الحكم الذاتي، وزيارة وفد برلماني للبرلمان النرويجي بأوسلو وزيارات لمجموعتي الصداقة مع فرنسا وألمانيا إلى باريس وبرلين، إضافة إلى استقبال رئيس مجموعة الصداقة البولندية المغربية.
كما أبرز مشاركة الشعب الوطنية الدائمة ووفود المجلس في عدد من الفعاليات الإقليمية والدولية، وتنظيم الاجتماع السنوي العاشر لشبكة البرلمانيين الأفارقة لتقييم التنمية بمدينة العيون، واحتضان البرلمان المغربي الدورة الخامسة للمنتدى البرلماني المغربي الفرنسي، الذي تناول قضايا مجتمعية واقتصادية وأمنية وعكس إرادة الارتقاء بالعلاقات المغربية الفرنسية إلى شراكة استراتيجية متجددة، حيث أكد البيان الختامي أن الدبلوماسية البرلمانية رافعة لمواكبة الزخم السياسي للشراكة بين البلدين برعاية قائديهما، ورحب باعتماد قرار مجلس الأمن رقم 2797 وجدد الدعم للموقف الرسمي الفرنسي، كما أشار إلى عقد الاجتماع السنوي الثاني عشر للجنة البرلمانية المشتركة بين المملكة المغربية والاتحاد الأوروبي لتعزيز الحوار وإعادة تأكيد الالتزام بشراكة استراتيجية متينة.
وختم ولد الرشيد بالتأكيد على أن هذه الحصيلة ما كانت لتتحقق لولا تضافر جهود مكونات المجلس والتعاون مع الحكومة، منوها بعمل الوزير المكلف بالعلاقات مع البرلمان وبجهود أطر وموظفي المجلس ومواكبة وسائل الإعلام الوطنية، قبل أن يجدد عبارات الولاء والإخلاص لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، داعيا الله أن يحفظ جلالته ويمتعه بالصحة والعافية وأن يقر عينه بولي عهده الأمير مولاي الحسن ويشد أزره بصنوه الأمير مولاي رشيد وكافة أفراد الأسرة الملكية الشريفة.