حوار وترجمة: محمد الشاربي
إنماكولادا غارو سانشيز، أستاذة حاصلة على درجة الدكتوراه في الدراسات العربية والإسلامية من جامعة أليكانتي.
حاصلة على عدة ماسترات: “تدريس اللغة الإسبانية للأجانب” من جامعة خاين، و”الترجمة من العربية إلى الإسبانية” من مدرسة توليدو للمترجمين، و”الوساطة” من جامعة أليكانتي.
تعمل أستاذة للغة العربية في جامعة أليكانتي وسبق لها أن درّست أيضا في المدرسة الرسمية للغات في إلتشي.
كما عملت وسيطةً ثقافية ومترجمةً للحرس المدني، ومُدرّسةً في مركز تعليم الكبار في كاترال (أليكانتي).
ودرّست كذلك في معهد ثيربانتس بالجزائر العاصمة، وفي جامعة الجزائر العاصمة.
وهي أيضا مُدرِّسة للغة الإسبانية وآدابها في المرحلة الثانوية في معهد ماسيا أبيلا في كريفيلينت.
نسّقت وشاركت في العديد من مشاريع الابتكار والادماج التربوي لفائدة طلاب من بلدان المغرب العربي.
كما ألفت العديد من الكتب وشاركت في العديد من المؤتمرات. ونشرت العديد من المقالات حول قضايا النوع الاجتماعي، نذكر على سبيل المثال لا الحصر ما يلي: “دور المرأة العربية المسلمة ونشاطها الاجتماعي كاستراتيجية تعليمية في الصف الدراسي”، “فضاءات البحر الأبيض المتوسط من خلال سير ذاتية لنساء من الضفة الإفريقية”، “الجغرافيا الحضرية في المغرب من منظور النوع الاجتماعي: الفضاءات العامة والخاصة”، إلى غير ذلك من المقالات.
في هذا الحوار مع جريدة “مارس30″، تناقش المستعربة والأستاذة والمترجمة الإسبانية، إنماكولادا غارو سانشيز، قضايا هامة عديدة: بداية ارتباطها باللغة العربية، وضعية اللغة العربية في إسبانيا، تاريخ الأندلس، صورة المرأة المسلمة في إسبانيا، الترجمة التحريرية والشفوية، العلاقات بين إسبانيا والعالم العربي والإسلامي، مستقبل الاستعراب في إسبانيا، المغرب، إلخ.
– أنتِ أستاذة جامعية حاصلة على درجة الدكتوراه في الدراسات العربية والإسلامية من جامعة أليكانتي (إسبانيا). حدثينا قليلاً عن علاقتك باللغة العربية. ونود أيضاً معرفة سبب اهتمامكِ بـ”الدراسات العربية والإسلامية”.
– يعود اهتمامي بالدراسات العربية والإسلامية إلى زمن بعيد. في البداية، كنتُ أخطط للالتحاق بالجيش ودراسة الصحافة لأصبح مراسلة صحفية في إحدى الدول. كان أخي الأكبر، الذي يكبرني بأربعة عشر عاماً، يسافر كثيراً إلى المغرب. وكان يعود كل عام بسيارته “لاند روفر كاميل تروفي” رباعية الدفع محملاً بالقصص والصور والتجارب من بلد كان، في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات، لا يزال غير معروف نسبياً بالنسبة لمعظم الإسبان. لم يكن المغرب الذي نعرفه اليوم، ذلك البلد السياحي الذي يسهل الوصول إليه في غضون ساعة على متن الطائرة، بل كان بلداً يبدو بعيداً وغامضاً. زار أخي المغرب من شماله إلى جنوبه، وعند عودته، كان يخبرني بكل ما رآه: المناظر الطبيعية، والمدن، والناس، إلخ. أعتقد أن اهتمامي وشغفي بدآ يكبران حينها.
لاحقًا، في سنواتي الأخيرة من المرحلة الثانوية، اكتشفت أنه في جامعة أليكانتي يتم تدريس “الدراسات العربية والإسلامية”. في تلك اللحظة، كان الأمر واضحًا بالنسبة لي؛ كانت هذه الشعبة هي خياري الأول. واليوم، أستطيع القول إنني سعيدة تمامًا لأنني حظيت بفرصة دراسة ما أحببته حقًا وشغفت به، وتأكدت أيضًا من أن هذا الخيار كان صحيحا وموفقا.
ومن خلال هذه الدراسات أيضًا، وطأت قدماي المغرب لأول مرة، حيث التحقت بدورة صيفية في جامعة الرباط خلال سنتي الجامعية الأولى، وشيئًا فشيئًا، بدأت التركيز على هذا البلد في أبحاثي.
يمكنني القول بأن المغرب ظل حاضرًا في مخيلتي منذ الطفولة، ومع مرور الوقت لم يعد مجرد موضوع للدراسة، بل أصبح جزءًا أساسيًا من مسيرتي الشخصية والأكاديمية.
– هل مازال هناك اهتمام ب “الدراسات العربية والإسلامية” في إسبانيا؟
– لا أعتقد أن المشكلة تكمن في قلة الاهتمام بحد ذاتها، بل في قلة الوعي والإدراك. فمن جهة، يجهل الكثير من الشباب وجود تخصصات الدراسات العربية والإسلامية؛ فهم ببساطة لا يعلمون أن هذا التكوين متاح في الجامعة. ومن جهة أخرى، لا يدركون أيضاً أهميته في ضوء الوضع الراهن في البلاد؛ غير أن الواقع يُشير إلى وجود حاجة ماسة للتفاهم المتبادل. فالشعب الإسباني، عموماً، غير مُلمّ بالثقافة واللغة العربية، وهذا النقص في المعرفة يعتبر بيئة خصبة لظهور الصور النمطية والأحكام المسبقة والعنصرية وسوء الفهم. في هذه الحالة، يُعدّ عملنا أساسياً لمواجهة هذا الأمر.
نحن نساهم في تكوين كوادر أو أطر التعليم المستقبلية. ففي كل عام، يتخرج مئات من أساتذة المرحلة الثانوية من كليتنا، ويدرّسون تلاميذ من خلفيات عربية ومسلمة. ونحن نؤمن إيماناً راسخاً بضرورة امتلاك هؤلاء المُدرّسين فهماً أساسياً للغة والثقافة والواقع الاجتماعي لهؤلاء الطلاب. لذلك، نعتقد أنه ينبغي دمج هذا النوع من التكوين في جميع برامج الشهادات الجامعية، من خلال مقررات دراسية أكثر تكاملاً بين التخصصات.
علاوة على ذلك، ثمة شريحة كبيرة من التلاميذ غالباً ما يتم تجاهلها: الشباب المتخرجون حالياً من المدارس والمعاهد هم أبناء وبنات، بل وأحفاد، لعائلات من أصول مغاربية، لا سيما في منطقتنا. بإمكان هؤلاء الأفراد أن يصبحوا وسطاءً متميزين في مجالات حيوية كالتعليم والرعاية الصحية والعدالة والخدمات الاجتماعية. مع ذلك، غالباً ما يجهلون وجود هذه الدراسات أو لا يتم توجيههم نحو الجامعة. في كثير من الأحيان، تشجعهم المدارس الثانوية على الالتحاق بالتكوين المهني بدلاً من تسهيل أو تعزيز وصولهم إلى الجامعة واختيار تخصصات مثل تخصصنا.
كل هذا يُسهم في التقليل من قيمة تخصصنا اجتماعياً، مع أنه في الواقع هو تكوين استراتيجي وأساسي بالنسبة لمستقبل بلدنا.
نعتقد بأن “الدراسات العربية والإسلامية” أساسية لإدماج أبناء المهاجرين إدماجاً حقيقياً وفعالاً، ولمنع حالات التفكك الاجتماعي التي شهدناها في دول أوروبية أخرى، كفرنسا. إن الاستثمار في هذه المعرفة هو استثمار في التعايش والتماسك الاجتماعي ومستقبل مشترك.
– كيف ترين الوضع الحالي للغة العربية في إسبانيا؟
– إن وضع اللغة العربية في إسبانيا متناقض للغاية. في الواقع، يكفي أن تقوم بجولة عبر شوارعنا لتكتشف ذلك. لقد عملتُ مُدرسة في المرحلة الثانوية لمدة عشر سنوات، وأتذكر جيداً اللغات التي كانت تُسمع في نهاية اليوم الدراسي، عند خروج التلاميذ معاً: الإسبانية والفالنسية والعربية.
مع ذلك، على المستوى المؤسساتي، نركز بشكل شبه حصري على اللغة الإنجليزية. لا يتعلق الأمر هنا بالتشكيك في أهمية الإنجليزية، بل بتسليط الضوء على مفارقة واضحة: اللغات المستخدمة فعليًا في شوارعنا، وفي حياتنا اليومية، مختلفة، ومن بينها اللغة العربية التي تحتل مكانة كبيرة. لهذا السبب، لطالما استغربتُ عدم اهتمام الكثيرين بتعلم العربية كلغة أخرى، كلغة طبيعية، كجزء من واقعنا الاجتماعي.
صحيح أن العربية تُدرّس في المعاهد الرسمية للغات وفي الجامعات، لكن مازال ينظر إليها كلغة بعيدة أو أجنبية. في الوقت نفسه، من المثير للاهتمام ملاحظة كيف أن العديد من الشباب غير العرب يستعملون كلمات عربية في عباراتهم اليومية، مما يدل على وجود احتكاك أو اتصال بهذه اللغة وأنها حاضرة، حتى وإن لم يُعترف بها رسميًا دائمًا.
في الأصل، تعتبر العربية جزء لا يتجزأ من نسيجنا اللغوي والاجتماعي. ما ينقصنا هو أن نعترف باللغة بشكل طبيعي ونمنحها المكانة التي تستحقها داخل المنظومة التعليمية.
أعتقد أنه من المؤسف حقًا أن تتعرض لغة ما للضياع. نرى اليوم العديد من الشباب الذين لغتهم الأم هي العربية، لكن يتواصلون فيما بينهم تقريبا فقط بالإسبانية. من الواضح أن إتقانهم للغة المجتمع الذي يعيشون فيه أمر إيجابي، لكن هذا لا يعني بالضرورة الانسلاخ من لغتهم الأم. اللغات لا تستبعد بعضها بعضًا، بل على العكس، تُثري بعضها بعضًا. فقدان اللغة هو فقدان جزء من هوية المرء، وذاكرة أهله وتراثه الثقافي. وهذا لا يقتصر على اللغة العربية فحسب. مثلا بالنسبة لي، لغتي الأم هي الفالنسية، وقد حرصت دائمًا على تعليمها لبناتي تحديدًا لأنني لا أريدها أن تُفقد. على الرغم من أن الإسبانية هي اللغة السائدة في الشارع، إلا أنني أعتبر من الضروري الحفاظ على لغتنا الأم والاعتزاز بها.
أعتقد أن هذا المثال يُساعد على فهم أن الحفاظ على اللغة الأم لا يشكل عائقًا أمام الاندماج. في الواقع، أشجع ابنتي الكبرى على تعلم ذلك.
– بناءً على خبرتك كمدرّسة للغة العربية، ما هي المشاكل أو العقبات التي يواجهها الطلاب عادةً عند تعلم هذه اللغة؟
– أعتقد أن هناك فرقًا واضحًا بين الأجيال الأولى من الطلاب الذين درّستهم اللغة العربية والأجيال الحالية. منذ 2006 حتى عام 2013، درّستُ في مؤسسات خاصة مختلفة وفي جامعة أليكانتي. لم يكن لهؤلاء الطلاب احتكاك يُذكر بالعالم العربي عمومًا، ويكاد ينعدم احتكاكهم باللغة العربية. علاوة على ذلك، فإن اللغة العربية لغة تنحدر من أصل مختلف تمامًا عن اللغات الرومانسية؛ فهي ليست لغة لاتينية، وبالتالي، يكاد ينعدم وجود كلمات تشبه الإسبانية، باستثناء بعض الكلمات العربية المُقترضة. هذا يعني أن التعلم كان يبدأ من الصفر تمامًا، وأن العملية كانت أبطأ بكثير. في البداية، استغرق الأمر ساعات طويلة لمجرد تعلم الأبجدية، والتعرف على الحروف، وتعلم القراءة، والإلمام بنظام كتابة مختلف تمامًا.
لكن أعتقد أن الوضع الآن قد تغير بشكل ملحوظ بالنسبة للأجيال الجديدة. اليوم، العديد من الشباب لديهم تواصل مباشر مع اللغة العربية، ويتعايشون مع طلاب لغتهم الأم هي العربية، ويتعرفون على اللغة من خلال وسائل التواصل الاجتماعي مثل إنستغرام وتيك توك، ويستطيعون مشاهدة الأفلام والاستماع إلى الموسيقى والمحتوى السمعي البصري العربي، كما أصبح بإمكانهم السفر إلى العالم العربي بتكلفة أقل وبشكل مستمر.
عندما كنت طالبة أو في بدايات مسيرتي كأستاذة، لم يكن كل هذا موجودًا، كان ذلك محدودًا للغاية. هذا التواصل المستمر يعني أن اللغة العربية لم تعد لغة أجنبية أو بعيدة تمامًا، وأصبح تعلمها الآن أمرا سهلا ومتاحا بالنسبة للأجيال الجديدة.
– فيما يخص تاريخ الأندلس، لماذا يرفض بعض الإسبان الاعتراف بالإسهامات القيمة للمسلمين في شبه الجزيرة الأيبيرية؟
– نعم، من المؤسف أنه في إسبانيا لا يتم الاعتراف بالإسهامات الهائلة التي قدمها المسلمون لشبه الجزيرة الأيبيرية.
هناك إسهامات كثيرة. وفي الواقع، لا يزال إرثهم حاضرًا حتى اليوم في الهندسة المعمارية والعلوم والزراعة والأدب والعديد من المجالات الأخرى.
أعتقد أنه من المفيد جدًا استخدام هذا الإرث كنقطة مرجعية للطلاب. لدينا إجراءات لدمج الطلاب في الفصول الدراسية، لكن في الغالب لا تُطبّق بشكل فعال. إن إدراج هذا التاريخ من شأنه أن يوسع آفاق الطلاب بشكل كبير، ويُعرّفهم بنماذج في المعرفة والإبداع، ويُقدّم لهم قدوة تُلهِم الطلاب من أصول عربية وغير عربية.
علاوة على ذلك، فإن معرفة الماضي تُمكّننا من التأمل في الحاضر واستشراف مستقبل أكثر اندماجا ووعيًا.
إنّ اتباع نهج تاريخي وثقافي لن يكون تعليميًا فحسب، بل سيكون أيضًا جذابًا للغاية، لأنه يربط التعليم بالواقع الاجتماعي والثقافي المحيط بنا، مُظهرًا أن تنوّع الماضي وثراءه يُمكن أن يكون دافعًا قويًا للتعلم والاحترام المتبادل.
– كيف هي صورة المرأة المسلمة في إسبانيا؟
– من اللافت للنظر أنه يسألونني دائمًا عن المرأة المسلمة دون الرجل المسلم، في حين أن العنصرية في إسبانيا تُؤثر على الطرفين معا. ومع ذلك، ينصبّ التركيز بشكل شبه حصري على النساء: يتم الحديث عن الحجاب، ويتم ربطهن تلقائيًا بالخضوع، وتُبنى صورة نمطية مختزلة.
تكمن المشكلة الأساسية في الجهل، والارتياب إزاء كل ما هو غريب، أي كل ما هو ليس جزءًا من الحياة اليومية. في إسبانيا، هناك أيضًا جهل بوجود نساء عظيمات، قديما وحاليا، في الدول العربية والإسلامية: هناك المرأة العالمة، والمرأة السياسية، والمرأة القاضية، والمرأة الطبيبة، والمرأة المثقفة، إلخ. على الرغم من ذلك، لا تزال مستمرة تلك النظرة النمطية حول المرأة المسلمة، باعتبارها متخلفة وخاضعة، وهي صورة بعيدة تمامًا عن الواقع العالمي.
صحيح أن هناك حالات لنساء مهاجرات، وخاصة أمهات الجيل الأول، يعانين من نقص كبير في معرفة اللغة، أو يعشن في مجتمعات منغلقة، أو ينحدرن من بيئات ريفية ذات فرص محدودة في التعليم النظامي؛ إلا أن هذه الحالات الخاصة تم تعميمها بشكل خاطىء على النموذج العام للمرأة العربية والمسلمة، بينما الواقع مختلف تمامًا.
فالجامعات الإسبانية، على سبيل المثال، تزخر بالنساء المسلمات، سواء كنّ محجبات أم لا، وهنّ مفكرات ومهنيات لامعات. نساءٌ مُهيّئات لتغيير المستقبل، وهنّ يفعلن ذلك بالفعل. كما أن العديد من العالمات والسياسيات والمهنيات اللواتي ذكرتهنّ يُعتبرن قدوة يحتذى بها، نساءٌ يُغيّرن مجتمعاتهنّ، ويمكن أن يصبحن مصدر إلهام للطلاب لو تم التعريف بهن، أو بالأحرى، لو رُويت قصصهنّ.
– لديك تجربة مهمة في ميدان الترجمة (العربية/ الإسبانية). حدثينا عن تجربتكِ في هذا المجال.
– بين عامي 2006 و2008، عملتُ كوسيطة تربوية في بلدية المنطقة التي أنتمي إليها. في هذا العمل، كنتُ أُقدّم الوساطة اللغوية والثقافية للأسر والطلاب الذين لا يُتقنون اللغة، من خلال تسهيل التواصل بين الفريق التربوي والأسر. لاحقًا، وحتى خلال عملي كمُدرّسة في المرحلة الثانوية بين عامي 2016 و2025، واصلتُ أداء هذا الدور بشكل غير رسمي، حيثُ كان يتم المناداة علي باستمرار للوساطة أو الترجمة التحريرية أو الشفوية في حالات النزاع أو عندما يكون لدى الطلاب وأسرهم احتياجات مُحدّدة.
إضافةً إلى ذلك، في عام 2007، عملتُ كمترجمة (الترجمة التحريرية والشفوية) في الحرس المدني. كانت تجربة مُختلفة، بل وأكثر تحديًا من بعض النواحي، إذ كانت مُرتبطة دائمًا تقريبًا بمواقف إشكالية أو نزاعات.
لذلك، تُعدّ الوساطة في المجال التربوي، على الرغم من بعض الصعوبات، أيسر وتجعلك تدرك بشكل مُباشر الأثر الإيجابي لمواكبة الأسر والطلاب. أعتقد أن الوساطة بين الثقافات تلعب دورًا أساسيًا، ليس فقط في التعليم، بل أيضًا في مجالات مثل الرعاية الصحية والعدالة والخدمات الاجتماعية. وتتجلى ضرورتها عندما نكتشف أن الأمهات، في كثير من الأحيان، هنّ من يضطررن للذهاب إلى هذه الأماكن برفقة أطفالهن، وهؤلاء الأطفال هم من يتحملون مسؤوليات لغوية وتواصلية لا يقدرون عليها.
من جهة أخرى، أرى أنه من المفيد جدًا تشجيع ترجمة المزيد من الأعمال من العربية، لأن ذلك سيجعلها في متناول المجتمع الإسباني، ويُسهّل فهم الثقافة بشكل أفضل. صحيح أن لدينا بالفعل مجموعة من الكُتّاب الإسبان من أصول عربية يكتبون بالإسبانية والكتالونية، ويُنتجون أعمالًا متميزة، تُقرّبنا من ثقافتهم وتجاربهم.
– ما الدور الذي يُمكن أن يلعبه المستعربون الإسبان في بناء جسور التواصل بين شبه الجزيرة الأيبيرية والعالم العربي-الإسلامي؟
– دور المستعربون في إسبانيا أهم بكثير مما يُعتقد. من جهة، يمكنهم أن يلعبوا دورًا محوريًا في نشر اللغة والثقافة العربية، وتعزيز التفاهم المتبادل، وتفكيك الصور النمطية.
لكن، إضافةً إلى ذلك، لديهم القدرة على تطوير بحوث تطبيقية تهدف إلى تحقيق إدماج حقيقي وعملي في جميع المجالات: الاجتماعية، والمؤسسية، والتعليمية، والمهنية. ولا ينبغي أن يبقى هذا العمل نظريًا فحسب، بل يجب أن يُترجم إلى مقترحات ملموسة تُسهم في تحسين التعايش ومنع نشوب نزاعات سببها سوء الفهم الثقافي.
في هذا السياق، ينبغي على الحكومة أن تُدرك جيدا ضرورة وأهمية هذا الأمر، إذ تزخر إسبانيا بالعديد من المثقفين والمتخصصين القادرين على توفير أدواتٍ فعّالة لبناء مستقبلٍ أكثر اندماجا. إن الاستثمار في الخبرات المتخصصة من شأنه أن يُسهم في تجنّب سوء الفهم والانقسامات الاجتماعية التي حدثت في بلدانٍ أخرى مع أبناء وأحفاد المهاجرين.
– ماذا تقترحين للقضاء على الصور النمطية والأحكام المسبقة التي تُؤثر سلبًا على العلاقات بين شبه الجزيرة الأيبيرية والعالم العربي والإسلامي، أو على الأقل الحدّ منها؟
– لعلّني، بحكم عملي لسنواتٍ طويلة في مجال التعليم، أؤمن بأن التعليم أداةٌ أساسية للتغيير الاجتماعي. إن تعليم الأجيال الجديدة من كلا الخلفيتين لا يقتصر على نقل المحتوى فحسب، بل يشمل أيضًا تقديم نماذج مُلهمة ومتنوعة.
ليس من المعقول أننا بالكاد نجد أسماء ذات أصل عربي في الفصول الدراسية والكتب المدرسية. ليس من المقبول أن يركز المنهج الأدبي والثقافي بشكل شبه حصري على أوروبا فقط، نجد تفاصيل التفاصيل عن دول مثل إنجلترا وفرنسا وألمانيا، بينما يبقى العالم العربي غائباً تماماً، وكأنه غير موجود أو لا يملك أي إسهام أو أهمية. إن تقديم نماذج يحتذى بها أمر أساسي، بما في ذلك النساء البارزات اللواتي ذكرتهن سابقا، وكذلك الرجال الذين يتبوؤون مناصب قيادية في مختلف المجالات في العالم العربي.
لو أتيحت للطلاب فرصة اكتشاف هذه النماذج، لتعرفوا على شخصيات حقيقية ومهمة جدا، ولم يشبعوا مخيلتهم فقط بالصور النمطية: قرى ريفية معزولة، صحاري قاحلة، أو صورة المرأة المسلمة الخاضعة. إن إتاحة الفرصة للتعرف على نماذج متنوعة يُسهم في إزالة الأحكام المسبقة التي تغذيها في الغالب قلة المعرفة وقلة التواصل مع واقع آخر مغاير.
لذا، فإن المعرفة المتبادلة ضرورية؛ فهي أساس تغيير وجهات النظر، وتعزيز التعايش، وإحداث تغيير اجتماعي حقيقي ودائم.
– كيف ترين مستقبل الاستعراب في إسبانيا؟
– يرتبط مستقبل الاستعراب في إسبانيا بعدة عوامل، ولعلّ أهمها العامل السياسي.
في السياق الراهن، يُثير صعود اليمين المتطرف في أوروبا تساؤلات حول كل ما يتعلق بالعالم العربي والإسلامي، مُؤجّجًا خطابات الرفض والاختزال. وفي كثير من الأحيان، تنبع هذه المواقف من جهلٍ عميقٍ بالإسهامات الثقافية والعلمية والتاريخية التي قدّمها العالم العربي، ولا يزال يُقدّمها، للمجتمع الأوروبي.
وكما أشرتُ سابقًا، ينبغي على السلطات الحكومية أن تُدرك ضرورة وأهمية الاعتماد على مستعربين متخصصين من أجل تعزيز عملية تطبيع التعايش بين الثقافات بشكل حقيقي. فالمتخصصون في الدراسات العربية لا يُساهمون بالمعرفة اللغوية والثقافية فحسب، بل يُقدّمون أيضًا أدوات أساسية للوساطة والتعليم والبحث ومنع النزاعات الاجتماعية.
بالإضافة إلى ذلك، تُدرج سياسات الاستدامة المُطبّقة في الجامعات إجراءات جديدة تُصنّف بعض مجالات الدراسة، لا سيما تلك المرتبطة بالعلوم الإنسانية، على أنها غير “مستدامة” من الناحية الاقتصادية أو من حيث الطلب. وفي هذا السياق، تجد الدراسات العربية نفسها تحت المجهر وفي وضعٍ هشّ. لكن من المفارقات أنه في الوقت الذي تُثار فيه الشكوك حول جدوى هذا النوع من الدراسات المتخصصة، لا يوجد، في المقابل، اعتراف بأن المجتمع الإسباني في أمسّ الحاجة إلى هذه الدراسات لمواجهة تحديات التنوع الثقافي الحالية والمستقبلية.
– كيف تنظرين إلى العلاقات الثقافية الحالية بين إسبانيا والعالم العربي والإسلامي؟
– أعتقد أن العولمة تساهم في تعزيز العلاقات الثقافية بين إسبانيا والعالم العربي والإسلامي عمومًا. وتتعزز هذه العلاقات على مستويات مختلفة، سواء في المجال الجامعي أو المقاولاتي، فضلًا عن مجالات أخرى من التعاون الثقافي والمؤسساتي.
ويتم ترسيخ العديد من الروابط، لا سيما مع المغرب، ومع دول مثل الإمارات العربية المتحدة، التي تسعى للمساهمة في مشاريع تعاونية متنوعة. لكن لا تزال هناك صعوبات كبيرة مع دول أخرى، كالجزائر. ويظل الجانبان الجزائري والإسباني ملتزمين بالحفاظ على العلاقات، على الأقل في المجال الأكاديمي؛ إلا أن البلدان يضعان عقبات إدارية، خاصة فيما يتعلق بالتأشيرات، مما يُعيق هذه التبادلات بشكل كبير.
تحافظ جامعة أليكانتي على علاقاتها الأكاديمية مع كل من المغرب والجزائر. وفيما يخص الجزائر، ورغم وجود العديد من العقبات الإدارية، لا سيما فيما يتعلق بالتأشيرات والتنقل، فقد تمت إقامة علاقات مستمرة في مجال التعاون.
كما أن جامعة أليكانتي لديها علاقات أيضا مع دول أخرى ذات أغلبية مسلمة، كالفلبين وإيران، وتتوفر على هيئة تدريس متخصصة في هذه المجالات.
إضافةً إلى ذلك، لدينا منصة لدعم فلسطين، نسعى من خلالها إلى تيسير التنقل الأكاديمي الذي يتيح لبعض الأفراد السفر والمشاركة في الأنشطة التعليمية والجامعية.
باختصار، أعتقد أن هناك انفتاح يتطور شيئا فشيئا، مما يسمح لنا بالتنبؤ بحصول تعزيز تدريجي للعلاقات الثقافية والأكاديمية والاجتماعية بين إسبانيا والعالم العربي.
– كم مرة قمت بزيارة المغرب؟ وما انطباعك عن هذا البلد؟
– لا أستطيع تحديد عدد المرات التي زرت فيها المغرب بدقة، ولكن لكي تتضح لك الصورة أكثر، أزور المغرب منذ عام 2001، والآن نحن في عام 2026. هذا يعني أنني أزور المغرب منذ ما يقارب 25 عامًا، بمعدل مرتين سنويًا على الأقل، لذا ربما زرته أكثر من 50 مرة.
أعرف المغرب معرفةً عميقة، ليس فقط لكثرة أسفاري في أرجاء البلاد، بل أيضاً لأنني أجريتُ خلال أطروحتي للدكتوراه دراسات ميدانية ومقابلات مع نساء في مناطق مختلفة من البلاد.
نتيجةً لهذا البحث، نشرتُ كتاب “المغرب: من الحريم في البيت إلى الفضاء العام: الفصل بين الجنسين منذ الطفولة”. كما عملتُ وما زلتُ أعمل مع نساء في جبال الأطلس المغربية، وتحديداً في وادي تساوت. ومن خلال مشروعٍ طوّرته هناك مع ماريا ألفا غوميز دي كاريرو، نشرنا كتاب “أصوات تعبر الجبال: قصص حياة المرأة الأمازيغية انطلاقا من جبال الأطلس المغربية”، استناداً إلى روايات النساء وتجاربهن الشخصية.
نواصل حالياً التعاون مع نساء جبال الأطلس في مشاريع تهدف إلى تعزيز استقلاليتهن واستدامتهن داخل مجتمعاتهن.
كيف أرى المغرب؟ لقد رأيت تغييراً هائلاً على جميع المستويات منذ صيف عام 2001، حين التحقتُ بدورةٍ تكوينية في جامعة الرباط. لقد شهد المغرب تطوراً ملحوظاً، سواء على صعيد البنية التحتية أو المجتمع. فعلى سبيل المثال، فيما يتعلق بالمواصلات، كنتُ أسافر دائماً على متن السيارة انطلاقا من إسبانيا، أما الآن فهناك رحلات جوية مباشرة من أليكانتي، وهناك قطارات حديثة، وطرق سريعة جديدة. وعلى الصعيد الاجتماعي، هناك تقدم كبير أيضاً: فالبلاد تشهد تغييرات مستمرة وتستثمر في مجالات متعددة، بما في ذلك قضايا المرأة، التي تعتبر إحدى اهتماماتي. في الواقع، نحن بانتظار الإصلاح الجديد للمدونة، والذي من المتوقع صدوره قريباً.
لكن هناك في المقابل بعض التحديات. فجيل الشاب، وخاصة جيل “z” يناضل من أجل أن تشمل هذه التحسينات التعليم والرعاية الصحية والتوظيف، وهي مجالات لا تزال تعاني من قصور. يرغب العديد من الشباب في البقاء وبناء مستقبلهم في المغرب، لكنهم يطمحون إلى ظروف معيشية أفضل من تلك المتاحة حالياً.
– أخيراً، ما هي الرسالة (أو الرسائل) التي تودّين توجيهها إلى القارئ الإسباني والعربي؟
– أعتقد أنه يجب علينا جميعًا بذل الجهد، وخاصة المتخصصين في الدراسات العربية والإسبانية، الذين نعرف أننا يمكننا لعب دور الوسيط وأيضا كجسر بين الثقافتين.
من الضروري رفع مستوى الوعي بين سكان الصفتين، لكي يتمكن الإسبان الذين يختارون الإقامة في المغرب، والمغاربة الذين يختارون الإقامة في إسبانيا، وخاصة الذين ولدوا في إسبانيا ويحملون الجنسية الإسبانية، من التعايش في مجتمع يحتضنهم ويرحب بهم ويُرسّخ التفاعل بين الثقافات.
لا يقع هذا الجهد على عاتقنا وحدنا فحسب، رغم امتلاكنا المعرفة والأدوات اللازمة لتعزيز ذلك. من الضروري أيضًا ضمان انخراط القوى السياسية لوضع سياسات وإجراءات تُسهّل هذا التعايش وتجعله مستدامًا على المدى الطويل.