20 يونيو 2026 / 00:14

بيت الصحافة

مغاربة إسبانيا: الواقع يتفوّق كليًا على التضليل اليميني المتطرّف

مارس 30 - 30 يناير 2026

توفيق سليماني

المعطيات أكثر صدقية من الأخبار الزائفة. ففي دقة الإحصائيات والأرقام تتحدد المسافة الفاصلة بين الحقيقة والتضليل في زمن كثر فيه التلاعب والتسطيح واشتد فيه التقاطب. ورغم محاولة اليمين المتطرف الإسباني بمختلف تلويناته القشتالية والأندلسية والكتالانية استعمال المغرب والمهاجرين المغاربة في معاركه الانتخابية للحصول على اكبر عدد من الأصوات، تؤكد الأرقام والإحصائيات الرسمية الإسبانية أن الأجانب، وعلى رأسهم المغاربة، هم جزء من الحل لأكبر تحدي يواجه الدولة الإسبانية في السنوات المقبلة وهو “شيخوخة الساكنة”، وما يترتب عنه من انعكاسات سلبية على سوق الشغل (قلة اليد العاملة) وصناديق المعاشات والضمان الاجتماعي.

في هذا الصدد، يواصل المواطنون المغاربة تصدّر قائمة الجنسيات الأجنبية الحاصلة على تصاريح إقامة سارية المفعول في إسبانيا، وبفارق واسع، وفق أحدث المعطيات الرسمية الصادرة عن المرصد الدائم للهجرة التابع للحكومة الإسبانية، بتاريخ 30 يونيو 2025.

ومن أصل 3.367.136 شخصًا أجنبيًا خاضعين للنظام العام للهجرة، يبلغ عدد المغاربة 856.825 شخصًا، أي ما يعادل 25 % من الإجمالي، وهو ما يؤكد الوزن البنيوي للمغرب في الديمغرافية الإسبانية. كما يواصل العمال المغاربة تصدّر قائمة المنخرطين الأجانب في نظام الضمان الاجتماعي الإسباني، بعدد 373.436 منخرطًا، بحسب آخر البيانات التي نشرتها الحكومة الإسبانية، ليحافظ المغرب بذلك على موقعه كأول بلد مصدر لليد العاملة الأجنبية، متقدمًا على رومانيا وكولومبيا وفنزويلا وإيطاليا والصين.

ويؤكد تقرير المرصد الدائم للهجرة أن العدد الإجمالي للأشخاص الحاصلين على تصاريح إقامة في إطار نظام الهجرة بإسبانيا قد ارتفع بنسبة 8.9 % خلال سنة واحدة، أي بزيادة قدرها 274.838 شخصًا مقارنة بشهر يونيو 2024. وفي هذا السياق، لا تحافظ الجالية المغربية على صدارتها فحسب، بل تُظهر أيضًا درجة عالية من الاستقرار، مع نسبة تغير سنوية في حدود 4 % وزيادة فصلية قدرها 0.7 %، وهي مؤشرات تعكس استقرارًا متينًا واستمرارية مقارنة مع جالية اخرى مثل البوليفية التي شهدت تراجعا واضحا.

وعلى المستوى الجهوي، يشكّل المواطنون الأفارقة 36 % من مجموع الأجانب الحاصلين على تصاريح إقامة في إسبانيا، تتصدرهم الجالية المغربية بفارق كبير عن باقي الجنسيات. وتأتي بعد ذلك الجنسيات الأوكرانية والصينية والكولومبية والفنزويلية، لكن بأعداد أقل بكثير، ما يؤكد أن المغرب يظل، دون منازع، المصدر الأول لليد العاملة من خارج الاتحاد الأوروبي نحو إسبانيا.

وتظهر الاحصائيات السوسيو-ديموغرافية للجالية المغربية أنها فئة فتية نسبيًا، بمتوسط عمر يبلغ 36 سنة، أي أقل بقليل من المتوسط العام للأجانب المقيمين، المحدد في 37 سنة. أما من حيث التوزيع حسب الجنس، فتُمثّل النساء 43 % من مجموع المغاربة الحاصلين على تصاريح إقامة، وهو مؤشر واضح على تحول الهجرة المغربية نحو طابع عائلي ومستقر، بعيدًا عن الأنماط الذكورية الصرفة التي سادت في عقود سابقة.

ويبرز التقرير كذلك أن أكثر من نصف الأجانب الحاصلين على تصاريح الإقامة بالجارة الشمالية يتوفرون على تصاريح طويلة الأمد، وهو ما يعزز دلالات الاندماج والاستقرار. وبالنسبة للمغاربة، يترجم هذا المعطى إلى حضور راسخ في سوق الشغل وفي الحياة الاجتماعية بالبلد الجار، مع دور محوري في قطاعات استراتيجية داخل الاقتصاد الإسباني.

ومن الناحية الديموغرافية، تعترف السلطات الإسبانية بأن السكان الأجانب، ولا سيما القادمون من المغرب، يساهمون بشكل حاسم في تجديد البنية العمرية للسكان في إسبانيا. ففي الوقت الذي تتجاوز فيه نسبة الإسبان الذين تزيد أعمارهم عن 65 سنة حدود 23 %، لا تتعدى هذه النسبة 6 % في صفوف الأجانب الخاضعين لنظام الهجرة، ما يعزز الأثر الإيجابي لهذه الفئة على التوازن الديموغرافي والاقتصادي. هذا النسبة قد تكون أقل من 6 في المائة بالنسبة للمغاربة. التقرير لا يعطي النسبة المرتبطة بالمغاربة، لكن نسبة 6 في المائة (بالنسبة للأجانب) تتحدث عن نفسها باعتبار أن المغاربة يمثلون 25 في المئة من هؤلاء الأجانب.

وتعيد هذه المعطيات الرسمية تسليط الضوء على الموقع المركزي للمغرب وللمغاربة في دينامية الهجرة بين الضفتين، مؤكدة أن العلاقة الإنسانية والاجتماعية بين المغرب وإسبانيا تشكّل اليوم أحد أكثر ركائز الجوار الاستراتيجي صلابة واستدامة، وهي حقيقة مؤسسة على الأرقام والإحصائيات، وتفند بشكل واضح حملات التضليل التي تقودها أطراف اليمين المتطرف الإسباني، وعلى رأسها حزب فوكس Vox وتشكيل “انتهت الحفلة” «Se acabó la Fiesta» وتحالف كتالونيا «Alianza Catalana».

التصنيف : اسبانيا