أكد رئيس مجلس الشيوخ الفرنسي، جيرار لارشيه، اليوم الخميس بالرباط، أن فرنسا تحافظ على موقف ثابت إزاء الصحراء المغربية، وأنها لن تتراجع عنه، وذلك في تصريح أدلى به على هامش أشغال الدورة الخامسة للمنتدى البرلماني المغربي-الفرنسي، المنعقد بمقر برلمان المملكة المغربية.
وخلال كلمته، عبّر لارشيه عن شكره لحفاوة الاستقبال التي حظي بها من طرف البرلمان المغربي، مبرزًا الطابع الاستثنائي لهذه الدورة من المنتدى، ومؤكدًا أنها تجاوزت ما وصفه باللقاءات الشكلية أو البروتوكولية، لتشهد هذه المرة تبادلًا حقيقيًا وصريحًا بين وفدي البلدين، معتبرًا أن هذه الدورة لا تمثل مجرد استئناف، بل تشكل تجديدًا حقيقيًا للعلاقة البرلمانية المغربية-الفرنسية.
وذكّر رئيس مجلس الشيوخ الفرنسي بأن سبع سنوات قد مرت منذ آخر اجتماع للمنتدى، مشددًا، بصفته مشاركًا في دوراته السابقة، على أن الحمولة السياسية والاستراتيجية للقاء الرباط تمثل نقطة تحول في العلاقات بين المغرب وفرنسا، وتندرج في سياق الدينامية السياسية الجديدة التي انطلقت عقب اللقاء الذي جمع صاحب الجلالة الملك محمد السادس برئيس الجمهورية الفرنسية، إيمانويل ماكرون. وهو اللقاء الذي لعب دورًا محوريًا في إعادة صياغة الإطار الثنائي للعلاقات.
وأوضح لارشيه أن الوفد البرلماني الواسع المرافق له يعكس وجود سياسة فرنسية واحدة تجاه المغرب، وبشكل صريح تجاه الأقاليم الصحراوية الجنوبية للمملكة، مؤكدًا أن هذا الموقف غير قابل للتراجع، في تصريح ذي دلالة سياسية قوية يعزز الانسجام المؤسسي الفرنسي مع المرحلة الجديدة من العلاقات الثنائية.
كما استحضر المسؤول الفرنسي زيارته الى مدينة العيون، كبرى حواضر الصحراء المغربية، بدعوة من رئيس مجلس المستشارين، محمد ولد الرشيد، في فبراير من السنة الماضية، حيث حظي باستقبال في لقاء جمع قرابة ألف ممثل عن مختلف الفاعلين بالجهة، وهي تجربة وصفها بالمدهشة للغاية، معتبرًا أنها أكدت المكانة المحورية التي يحتلها البرلمان المغربي في البنية المؤسساتية للمملكة.
وقال في سياق حديثه عن انطباعاته بعد زيارة مدينة العيون: «هذا يعيدني إلى شهر فبراير من السنة الماضية، حين استقبلني رئيس مجلس المستشارين في لقاء جمع، في أجواء من القرب، حوالي ألف شخص من مختلف الفاعلين العموميين. لا أخفي أن ذلك ترك لدي انطباعًا عميقًا. في الواقع، ما نريده هو أن نُرسّخ، انطلاقًا من هذا المنتدى، انخراطًا مشتركًا للنواب والمستشارين، وأن نُسهم في تعزيز المحور المغربي-الفرنسي».
وفي هذا الإطار، عبّر لارشيه عن إرادة حقيقية لترسيخ انخراط نشط ومنظم للنواب والمستشارين في كلا البلدين، من أجل تعزيز المحور المغربي-الفرنسي، مستلهمًا نماذج أوروبية مثل معاهدة آخن بين فرنسا وألمانيا، ومعاهدة كيرينال مع إيطاليا، واللتين تتميزان ببعد برلماني قوي يتجاوز التعاون بين السلط التنفيذية.
وأشاد رئيس مجلس الشيوخ الفرنسي بجودة النقاشات التي جمعته بالوزراء المغاربة، مبرزًا مستواهم التقني الرفيع والحضور النسائي اللافت داخل الحكومة المغربية، مع التأكيد في الوقت نفسه على أن العمل التنفيذي وحده لا يكفي لبناء علاقة استراتيجية دائمة، وأن مشاركة البرلمانات تظل ضرورية لترسيخ الالتزامات السياسية.
كما نوه لارشيه بدور رئيسي غرفتي البرلمان، مذكرًا بأنهم، خلال فترات دقيقة، كانوا من بين الذين حافظوا على استمرارية الحوار الثنائي، مشيرًا إلى أن المعاهدة الفرنسية-المغربية المرتقبة، والتي يُنتظر أن ترى النور في آجال قريبة نسبيًا، ينبغي أن تحظى بدعم وتصديق البرلمانات لاكتساب شرعية سياسية كاملة.
وأعلن رئيس مجلس الشيوخ الفرنسي عن آفاق جديدة للتعاون، من خلال تنظيم سلسلة من اللقاءات خلال سنة 2026 وبداية 2027، تركز على الجماعات الترابية، باعتبارها تعاونًا لا غنى عنه، ويشمل بعدًا اقتصاديًا يهم أزيد من 19 جهة، كما كشف عن مبادرة خاصة موجهة نحو الأقاليم الجنوبية للمغرب، بشراكة مع ممثلي النسيج المقاولاتي في البلدين.
واستحضر لارشيه عبارة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، مؤكدًا أن الوقت قد حان لكتابة كتاب جديد للعلاقة الثنائية، يتضمن عدة فصول، من بينها تعزيز التعاون البرلماني، واللامركزية — باعتبارها موضوعًا محوريًا بالنسبة لمجلس الشيوخ الفرنسي — ثم التضامن البرلماني، مستشهدًا بالدور الذي لعبه مؤخرًا النواب الأوروبيون الفرنسيون داخل البرلمان الأوروبي في ملفات حساسة، خاصة تلك المتعلقة بالقضايا الفلاحية والتنظيمية، حيث كان لتعبئتهم أثر حاسم على النتائج النهائية.
كما شدد المسؤول الفرنسي على التزام مجلس الشيوخ والجمعية الوطنية بالبعد المتوسطي، مذكرًا بأنه بعد مرور ثلاثين سنة على مسار برشلونة، بات من الضروري إعطاء دفعة سياسية جديدة لهذه المنطقة المتوسطية المعقدة، التي تواجه تحديات وتوترات متعددة، والتي يمكن للمغرب وفرنسا، إلى جانب شركاء آخرين، أن يضطلعوا فيها بدور استقرار محوري.
وفي ختام تصريحه، وصف جيرار لارشيه العلاقة بين المغرب وفرنسا بأنها رسالة نجاح مشترك موجهة إلى أوروبا وإفريقيا، في عالم يشهد تحولات عميقة، حيث يصبح من الضروري الحفاظ على قيم راسخة ومبادئ واضحة دفاعًا عن الديمقراطية البرلمانية، قبل أن يجدد شكره للمملكة المغربية على حفاوة الاستقبال، مستحضرًا كلمة hôte في اللغة الفرنسية، التي تعني في آن واحد المُضيف والضيف، باعتبارها رمزًا لعلاقة صداقة ثنائية تدخل، حسب تعبيره، مرحلة استراتيجية جديدة.