19 يونيو 2026 / 22:41

بيت الصحافة

مملكة متعبة

مارس 30 - 27 يناير 2026

توفيق سليماني*

مملكة متعبة؛ ملكية مقصوصة الأجنحة؛ حكومة منهكة؛ معارضة تائهة؛ أحزاب مرهقة؛ صحافة بلا أنياب؛ سياسة استقطاب؛ يمين متطرف هائج ومكتسح؛ يسار في سبات عميق؛ يمين في خدمة المتطرفين؛ شارع مُسَرْنَم؛ مواطن حائر؛ سياسة خارجية بين المنزلتين؛ سياسة داخلية معطوبة؛ لغة غير محصنة؛ بلد مهدد بالانقسام. شبح الماضي حاضر؛ صانع الديمقراطية مُغَيَّب؛ الكبار في العربة الخلفية (furgón de cola)؛ سكة متعبة؛ قطارات جانحة. مؤسسات متصارعة؛ قضاء محل تساؤل؛ تحقيقات بلا حدود ولا نهاية. التعب.

هذه هي عناوين مختلف الأجزاء والمحاور والصفحات عندما تفتح اليوم كتاب إسبانيا، جارتنا الشمالية. جمل بلا أفعال في زمن قلّ فيه الفعل وكثر فيه الكلام؛ جمل اسمية تعكس هيمنة الأنانيات والأشخاص بدل المصالح العليا والمؤسسات. ما الفائدة من تصريف الأفعال في ظرفية تُصرَّف فيها الأحقاد والكراهية ضد الأجانب، المغاربة والمغاربيين والأفارقة، وبشهادة الحكومة الإسبانية نفسها.

جارة أدهشتنا وأدهشت العالم لعقود بفضل “المعجزة الإسبانية” (el milagro español)، أو بكل بساطة، “الانتقال الديمقراطي الإسباني” (La Transición Democrática Española). كيف تصالح الإخوة الأعداء بعد أربعين حولا من الديكتاتورية والقمع من قبل نظام الجنرال فرانكو. بعد وفاة الديكتاتور – الملك خوان كارلوس يرفض أن يصفه بالديكتاتور وله مبرراته – سنة 1975، استطاع الملك، صانع ومهندس الديمقراطية الإسبانية، أن يمد اليد للجميع، في السر والعلن، بمن فيهم الشبح الأكبر حينها، سانتياغو كارييو، زعيم الحزب الشيوعي، كما قرّب الاشتراكيين إليه، ومدّ جسور التواصل والحوار بين اليسار ويسار اليسار والجيش، الذي كان يشك في كل شيء إلا في وفاة فرانكو.

جاء الملك خوان كارلوس – المُجبر اليوم وبدون قرار على المنفى في الإمارات – بصديقه أدولفو سواريز، وهو من الحرس القديم وعرّاف سياسيا وعارف بإدارة فرانكو، إلى رئاسة الحكومة (1976-1989). أثبتت السنوات أنه كان خيارا صائبا، مما مهد لوصول الاشتراكيين إلى الحكم بقيادة الشاب حينئذ فيليبي غونزاليز (1982-1996). عمروا طويلا وحجبوا “الأسطورة السوداء” (La Leyenda Negra). في هذه الفترة الاشتراكية المزدهرة تحقق حلمان من أحلام الملك والنخبة الشابة:

أولا، ولجت إسبانيا سنة 1986 إلى المجموعة الأوروبية المشتركة، مما سهّل الإقلاع الاقتصادي الإسباني؛

ثانيا، تنظيم الألعاب الأولمبية في برشلونة سنة 1992، وهو ما سمح بتشييد الملاعب والبنيات التحتية الرياضية وغير الرياضية، وكذلك تقديم إسبانيا للعالم وجلب العالم إلى الجزيرة الإيبيرية من خلال حضور قادة ورياضيين عالميين. الرياضة جزء من إقلاع البلدان، واليوم أصبحت عاملا رئيسيا في نهضة الأمم.

غادر غونزاليز الحكم سنة 1996، وفُتح كتاب جديد في الجارة الشمالية عنوانه الرئيسي “اليمين”. وصل الحزب الشعبي اليميني الوسطي، لا علاقة له بالحزب اليوم، إلى الحكم بقيادة خوسي ماريا أثنار. كانت “المعجزة الإسبانية” ماضية قدما إلى الأمام رغم تغيير السكة من اليسار إلى اليمين، إلى أن حلت “الخطيئة الكبرى”، عندما شاركت إسبانيا اليمينية في اجتياح العراق في مارس 2003 بزعامة الثلاثي جورج بوش وطوني بلير وخوسي ماريا أثنار.

الملك، الذي استطاع في 23 فبراير 1981 إجهاض انقلاب العسكر المتوجسين من الديمقراطية والانفتاح، دخل في مسلسل أخطاء لا ترقى إلى جرائم، لكنه سيعترف بها لاحقا. من سينقذ المملكة؟

هنا، في اعتقادي، بدأ شبح “الأسطورة السوداء” يعود إلى إسبانيا. بلد عاش الحروب والأزمات والكوارث وتقاتل فيه الإخوة والجيران، لكنه لم يتعلم الدرس. بعد ذلك حدثت الهجمات الإرهابية المؤلمة في محطة القطارات بمدريد في مارس 2003، وهي الأحداث التي وصفها الملك خوان كارلوس بالأكثر تراجيدية وصدمة منذ عودة الديمقراطية. 190 قتيلا و2000 جريح. تلك الأحداث تركت آثارها وجراحا غائرة في المجتمع الإسباني. وبالكاد التأمت الجراح حتى نزلت صاعقة الأزمة الاقتصادية سنة 2008، والتي جرّ الإسبان تبعاتها بسبب سياسة التقشف مع الرئيس الاشتراكي خوسي لويس رودريغيز ثاباتيرو (2004-2011)، ومع خلفه اليميني ماريانو راخوي (2011-2018).

تعافى الإسبان نسبيا من الأزمة الاقتصادية، لكن المؤسسة الملكية الإسبانية تعبت أيضا، وأصبحت هدفا لسياسيين يساريين شباب حالمين بالجمهورية. فكّر الملك مليا، واستشار المقربين منه، ورغم رفضهم، قرر أن يتنازلعن العرش لولي العهد، أمير أستورياس. منذ قرون لم يتنازل آل بوربون عن العرش. بحث الملك عن مرجع يبرر به القرار. في سنة 1555 تنازل الملك كارلوس الخامس عن العرش بعد أن أتعبته الحروب والمعارك. خوان كارلوس هو ثاني ملك بوربوني يتنازل عن العرش. (صفحة 413 و414).

في يونيو 2014 تنازل الملك الديمقراطي، وخلفه ابنه الملك فيليبي السادس. كان يُعتبر الولي العهد الأكثر جاهزية في أوروبا. نجح بعد 12 سنة في المهمة، لكن مياه كثيرة مرت تحت الجسر. من سوء حظه أن السياسيين الجدد قصّوا أجنحة الملكية.

تنفس الإسبان الصعداء بعد تجديد الملكية والقضاء على حركة “إيتا”، لكن عاصفة “الأسطورة السوداء” أطلت من جديد من نافذة كتالونيا، محملة برياح الانفصال مع التصويت على استفتاء الاستقلال عن قشتالة يوم فاتح أكتوبر 2017. لم تجد حكومة راخوي غير العصا دون الجزرة، عبر الفصل 155 من الدستور، لوقف ذلك التهديد.

سقط راخوي في يونيو 2018 عبر ضربة قاضية بملتمس رقابة تقدم به شاب اشتراكي عاد من بعيد، وهو بيدرو سانشيز. هدّأ “صاحب الأرواح السبعة”، كما أسميه، الأوضاع في كتالونيا نسبيا ومؤقتا. لكن “جائحة كورونا” أربكت الحسابات وبعثرت الأوراق منذ مارس وأبريل 2021. كلفت الأزمة الصحية الإسبان الكثير وتركت فيهم ندوبا لا تمحى. تعبت المملكة نفسيا وعقليا وماديا.

وعاد التعب السياسي مع الانتخابات التشريعية في يوليوز 2023، التي علقت مصير الإسبان بين يدي حكومة ائتلافية، مصيرها بدوره بين أيدي الانفصاليين والاستقلاليين. بشكل أدق، حكومة سانشيز تعيش بين مطرقة تحالف اليمين واليمين المتطرف، وسندان أنانيات (egos) ثلة من الانفصاليين.

هدأت الأمور نسبيا سنة 2024، قبل أن تأتي رياح 2025 بما لا تشتهي سفن الحكومة اليسارية. فضائح فساد مالي وأخلاقي وتحرش جنسي تهز الحزب الاشتراكي الحاكم. مقرب من رئيس الحكومة دخل السجن وخرج منه قبل أن يعود إليه مقرب وصديق آخر. القضاء لم يقل كلمته الأخيرة. فضائح الفساد في الحزب الشعبي اليميني لا تتوقف كذلك. الفساد قاسم مشترك. ومما زاد الطين بلة “الانطفاء” أو “الظلام” (Apagón) الذي باغت إسبانيا السنة الماضية: لا كهرباء، لا إنترنت، ولا هاتف. عاد الإسبان في بعض المدن إلى زمن “الشموع”. شبح “الأسطورة السوداء” يتقدم.

وحدها الأرقام الإيجابية في قطاعات السياحة والشغل والضمان الاجتماعي والصناعة والتجارة، وتراجع الهجرة غير النظامية، والعلاقات المتميزة غير المسبوقة مع المغرب، تخفف العبء عن الإسبان. ومع ذلك، تبقى تهديدات الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، والرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، مقلقة. شبح اليمين المتطرف فوكس، المتشبع بأفكار ترامب، يكبر يوما بعد يوم، وبدأ يكشر عن أنيابه في استطلاعات الرأي. بات يفكر ويطمع في الوصول إلى قصر “المونكلوا”. ما قبل 1975 لم يعد مجرد مخاوف، بل معطى يستحق التحليل والدراسة.

حدث ما لم يكن في الحسبان، وكأنها تمطر فوق مبتل في فصل الشتاء وتحت الأمطار الغزيرة، “llueve sobre mojado”، كما يقول الإسبان. تعبت وكلّت القطارات والسكك الحديدية وبدأت تخرج عن السكة. بعد أسبوع من أحداث “آداموث”، عقب خروج قطار عن السكة واصطدامه بقطار آخر في الاتجاه المعاكس بإقليم قرطبة، لا أحد تحمّل المسؤولية. التحقيقات لا تنتهي، وكل واحد يشير بأصابع الاتهام إلى الطرف الآخر. 45 قتيلا وعشرات الجرحى؛ واصطدام قطار آخر بالجدار العازل في برشلونة مخلفا قتيلا، لكن لا أحد تحمّل المسؤولية. يبدو أن السكة متعبة. ما حدث ذكّر الإسبان بمأساة أخرى، كارثة عاصفة دانا بإقليم فالينسيا، التي تسببت في أكتوبر 2024 في 229 قتيلا.

هذا التعب ليس مجرد تحليل وخلاصة صحافي وباحث مغربي، بل هو أيضا إحساس مواطنين وصحافيين وكتاب إسبان.

لكن الإحساس الذي نتشاركه نحن الذين نحب هذا البلد ونعشقه ونموّله بضرائبنا هو أننا نواجه نوعا من الإرهاق في “المواد” التي تشكّل قوامه، في أغلبها لا-مادية، تلك التي توحدنا، إرهاق بلد بأكمله”، تقول الصحافية والكاتبة الإسبانية بيرنا غونزاليس أوبور، في مقال رأي لها منشور في صحيفة “إلباييس” يوم السبت المنصرم. وتضيف أن الخبراء والتقنيين يتحدثون في قضية “جنوح القطار”، “لكن المواطنين أيضا يتحدثون، ويشعرون، ويفكرون. بدأ إرهاق عميق يصيب البلد، في وقت كنا لا نزال نحتفل فيه بحداثة ديمقراطيتنا وبحيويتها. هذه حقائق قائمة، لكن الحاجة إلى إعادة التفكير في إسبانيا قائمة أيضا”.

مملكة متعبة. لكن أين هو المشكل؟ وأين هو الحل؟ يجب أن نعود إلى صفحات الكتب للإجابة هذا السؤال ومحاولة فهم إسبانيا. المفكر الإسباني الراحل والشهير أورتيغا إي غاسيت ترك مقولة حكيمة مفادها أن “إسبانيا هي المشكل، وأوروبا هي الحل”. أتفق مع المفكر الإسباني في هذا الطرح، لكنه كان صالحا في جزء منه إلى حدود سنة 1986 مع دخول إسبانيا إلى المجموعة الاقتصادية الأوروبية (حاليا الاتحاد الأوروبي). بعد 40 سنة من دخول الإسبان إلى الاتحاد الأوروبي، ماذا حدث؟ يبدو أن إسبانيا لا تزال هي المشكل، لكن يُستشف أن أوروبا لن تكون الحل هذه المرة، مادام حالها لا يختلف كثيرا عن حال إسبانيا نفسها.

فحتى الكاتب البريطاني ميشيل رايد، الذي يعرف إسبانيا وعاش واشتغل فيها، يؤكد في كتابه “إسبانيا”، في الصفحة 375، قائلا: «إن المشكلة الرئيسية التي تواجهها إسبانيا اليوم هي أن السياسيين لا يستطيعون التوصل إلى اتفاقات. لقد انقسموا إلى كتل متقابلة ومتواجهة بمرارة. وهذا يجعل حتى أبسط إصلاح دستوري أمرا يكاد يكون غير قابل للتصور، ناهيك عن تحقيق قفزة إلى الأمام تتطلب تنازلات كبرى، مثل إرساء فدرالية رسمية. وهذا وحده كفيل بأن يجعل من الصعب حتى تخيل أن ذلك ممكن التحقيق».

ويستشهد الكاتب البريطاني أيضا بالسير جون هـ. إليوت، المؤرخ البريطاني وأحد أبرز المرجعيات في موضوع ذروة الإمبراطورية الإسبانية خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر، عندما ألقى محاضرة في صيف عام 2008 ضمن أحد الدورات الصيفية لجامعة مينينديث بيلايو في مدينة سانتاندير. وفيها تجرأ على التنبؤ بأن «الفترة الممتدة بين عامي 1975 و2000 ستُرى، من منظور استرجاعي، بوصفها فترة ثانية من العصر الذهبي في تاريخ إسبانيا»، لكنه أضاف أيضا أنه، خلال الفترة التي انقضت منذ عام 2000، كان قد بدأ يرى «بعض الظلال تتلبد فوق ما كان، على مدى ربع قرن، مشهدا يزداد إشراقا على نحو متواصل». (إسبانيا، ميشيل رايد، ص. 31).

وبعد خمسين عاما من الذكرى الأربعين للدستور والانتقال إلى الديمقراطية عقب وفاة فرانكو، بدأ الذهب يمسخ وشرعت الظلال تحجب الشمس في الجارة الشمالية. وإذا حُجبت الشمس، انتشر التعب والأرق والخوف.

هذه خلاصة كاتبين ينحدران من المملكة البريطانية التي تربطها علاقة قرابة قديمة بآل بوربون، وهي العلاقة التي شرّحها الملك خوان كارلوس في كتابه الأخير “المصالحة”. الملك يشعر أن ثقافة الاعتراف والتقدير والمصلحة العليا متجذرة في بريطانيا أكثر من إسبانيا. موضوع الملك نتركه لمقالات أخرى.

هذا التعب هو ما يعبّر عنه الملك خوان كارلوس في كتابه وبطريقته الخاصة، بعد أن أُبعد ووجد نفسه وحيدا في جزيرة بأبوظبي. الحياة غير سهلة، كما قال: “أشعر بالاستسلام، ويؤلمني إحساس بالهجر. لا أستطيع كبح مشاعري عندما أفكر في بعض أفراد عائلتي، في أولئك الذين لم أعد أُهمّهم، وقبل كل شيء في إسبانيا التي أحنّ إليها على الأقل. هناك أيام من الإحباط والفراغ. أعيش بلا آفاق، من دون أن أعرف إن كان بإمكاني يوما ما أن أستقر من جديد في بلدي. وعلى الرغم من أن جميع الدعاوى القضائية قد حُفظت، ولم تُوجَّه إليّ أي تهمة، فإنني أبقى صامدا”.

ألا تعيش إسبانيا نفس الفراغ الذي يعيشه الملك الأب، خوان كارلوس، كما يحب أن يلقب نفسه؟ يرفض لقب “الملك الفخري” (Rey Emérito) الذي سنته الصحافة الإسبانية، ويراه غير عادل ولا يليق بمهندس الديمقراطية الإسبانية. (المصالحة، الملك خوان كارلوس، ص. 15).

عندما تتأمل واقع حال إسبانيا منذ مارس 2003 إلى اليوم، يكاد لا يختلف كثيرا عما قاله المستشار الألماني السابق أوتو فون بسمارك: «إسبانيا بلد قوي إلى حد أنه أمضى مئتي عام يحاول التسبب في خرابه الذاتي، لكنه لم ينجح في ذلك». خلاصة لا تختلف كثيرا عما خلص إليه البريطانيون والملك خوان كارلوس نفسه. (المصالحة، ص. 496).

المملكة المتعبة اليوم نتمنى أن تتعافى قريبا. وكما كان يقول لي أحد الدبلوماسيين الإسبان -والذي بلغ شأوا كبيرا- كلما صادفته: من مصلحتنا أن يكون لدينا جار قوي ومزدهر، والعكس صحيح.

——————————————————-

(*) صحافي وباحث مغربي متخصص في الشأن الإسباني 

التصنيف : اسبانيا تحاليل تحت مجهر مارس30