20 يونيو 2026 / 01:37

بيت الصحافة

الأمطار تعيد “الرواج” إلى أسواق الماشية

مارس 30 - 25 يناير 2026

لم يكن صباح الجمعة عاديا في جمعة سحيم، فالأرض التي أنهكها العطش لأشهر طويلة، بدت وكأنها تلتقط أنفاسها أخيرا، ومعها تنفّس القطيع واستعاد السوق بعضا من حيويته القديمة.

قبل أن تفتح الشمس عينيها تماما، كانت الشاحنات تتقاطر تباعا على أطراف السوق، محمّلة بالأغنام والأبقار، بينما كان الفلاحون والكسابة يفترشون المكان بخطى واثقة، كمن يعود إلى فضاء يعرفه جيدا. هنا، لا يحتاج السوق إلى إعلان، فالموعد محفور في الذاكرة الجماعية.

داخل الرحبة، لم تكن المساومات مجرد أرقام، بل امتدادا لحكايات موسم فلاحي صعب، نظرات دقيقة، أيادٍ تختبر صلابة القطيع، وأصوات تخترق الصباح، لتعلن أن السوق عاد يتحرك، ولو بحذر.

الأمطار الأخيرة، التي ارتوت بها المراعي بعد طول انتظار، غيّرت ملامح المشهد.

القطيع استعاد عافيته، والكسابة وجدوا متنفسا بعد شهور من القلق وارتفاع كلفة الأعلاف،لم يكن الانتعاش كاملا، لكنه كافٍ ليعيد الثقة إلى نفوس أنهكها الجفاف.

ارتفاع الأسعار، هذه المرة، لم يُنظر إليه كعبء، بل كترجمة طبيعية لتحسن جودة المواشي، “الثمن طالع شوية، ولكن معقول”، عبارة يرددها التجار لموقع “مارس 30″، وكأنها اتفاق ضمني على موازنة الربح بقدرة المواطن.

جمعة سحيم، التي راكمت عبر السنين سمعة خاصة، تواصل استقطاب تجار من مناطق مجاورة، بحثا عن سلالات محلية قوية، تربت في مراعي المنطقة، واكتسبت صلابة جعلتها مطلوبة خاصة مع اقتراب المناسبات الكبرى.

ورغم هذا الحراك، لا يخلو المشهد من شوائب.

فوسط الزحام، تبرز أحيانا ممارسات تثير استياء البعض، من قبيل إخفاء عيوب بعض الرؤوس أو المبالغة في الأثمنة، ما يعيد طرح سؤال التنظيم والمراقبة داخل سوق لا يزال يعتمد كثيرا على الثقة والأعراف.

في هذا الفضاء، تحاول جمعية بائعي المواشي لعب دور الوسيط، بالتنسيق مع السلطات المحلية، لضبط الإيقاع، وحل النزاعات، والحفاظ على حد أدنى من النظام داخل سوق تتحرك فيه مصالح كثيرة.

ومع اقتراب عيد الأضحى، تتجه الأنظار إلى ما ستسفر عنه الأسابيع المقبلة. فالفلاحون يراهنون على استمرار التساقطات، وعلى وفرة القطيع بعد قرار إلغاء النحر في الموسم الماضي، في أمل أن يكون العيد أقل كلفة وأكثر توازنا.

ومع انفضاض السوق، لا تنتهي الحكاية. في المقاهي المحاذية، تستمر النقاشات، وتُستعاد سنوات الجفاف، وتُقارن المواسم، ويُترك سؤال المستقبل معلقا في انتظار غيث آخر.

هكذا، لا يظل سوق جمعة سحيم مجرد فضاء للبيع والشراء، بل يتحول إلى مرآة صادقة لعلاقة الفلاح بالأرض، ولحكاية انتظار طويلة، اسمها المطر.

التصنيف : المغرب