19 يونيو 2026 / 22:49

بيت الصحافة

مانويلا كورتيس، مستعربة و باحثة إسبانية: “ينبغي أن نركز جهودنا على فهم الآخر، بعيدًا عن الأحكام المسبقة والصور النمطية القديمة”

Mares30 - 22 يناير 2026

حوار وترجمة: محمد الشاربي

 

مانويلا كورتيس غارسيا هي أستاذة جامعية إسبانية حاصلة على الدكتوراه في فقه اللغة السامية من جامعة مدريد المستقلة (1996)، والإجازة في فقه اللغة السامية: العربية والإسلامية (جامعة كومبلوتنسي بمدريد، 1989).

 

كرّست مانويلا كورتيس مسيرتها المهنية للتدريس، وأجرت أبحاثًا رائدة في إسبانيا حول تاريخ الموسيقى الأندلسية والتراث الموسيقي الأندلسي-المغاربي، بالإضافة إلى البحث والتنسيق الثقافي المتعلق بالتراث الشعري والموسيقي الشرقي والإسباني العربي والموريسكي.

 

مانويلا كورتيس هي عضو رسمي في أكاديمية التاريخ الأندلسي  (2017)، وعضو أيضا في شبكة خبراء التراث (2012)، وعضو في شبكة خبراء تراث قصبة ألمرية (2001-2007). اشتغلت كأستاذة في شعبة الدراسات الإسبانية بجامعة القاهرة (1996-1999)، وكأستاذة رسمية في جامعة غرناطة والجامعة الدولية بالأندلس (2005-2018)، حيث كانت رائدة في تدريس مواد تتعلق بتاريخ الموسيقى الأندلسية والتراث الموسيقي الأندلسي-المغاربي في كلتا الجامعتين.

 

حصلت على العديد من الجوائز البحثية في إسبانيا والمغرب. وقدمت دوراتٍ ومحاضراتٍ عديدة في جامعاتٍ إسبانية ودولية. كما شاركت في أكثر من مئة مؤتمرٍ وطني ودولي.

 

ولها العديد من المنشورات التي تُطور فيها مناهجَ متعددة التخصصات ورؤيةً شاملة للثقافة الإسلامية الشرقية والأندلسية، ثمرة دراساتها وخبراتها في بلدان الشرق الأوسط والمغرب العربي، والتي قادتها إلى تأليف كتاب “رحلة عبر مصر: رحلة عبر المدن والأسواق والسواحل”. ولها كتاب شعري تحت عنوان “أبواب الروح الأربعة”. بالإضافة إلى روايتها “البدوي صاحب الحلم الثالث”. وهي أيضا مترجمة ومحللة للشعر العربي المعاصر، وقد نشرت في هذا المجال “كتاب الحب والدم”، و”مختارات شعرية لمحمد أبوسنة”، و”حجر الذكرى”.

 

باعتبارها باحثة في التراث الموسيقي العربي والأندلسي، ألفت عدة كتب في هذا الصدد: “ماضي الموسيقى الأندلسية وحاضرها”، “ترجمة ودراسة لـ ‘كناش الحائك'”، “الموسيقى والشعر خلال الأوج الأموي”، “الموسيقى في سرقسطة الإسلامية”،  “الموسيقى العربية والأندلسية لكلا الضفتين في الدراسات الموسيقية (من القرن الثامن عشر إلى القرن الحادي والعشرين”، “الأنشطة الفنية للمرأة الأندلسية والموريسكية: الغناء والآلات الموسيقية والرقص”.

 

يشار إلي أن الباحثة مانويلا كورتيس غارسيا قامت أيضا بتأليف أكثر من مائة مقالة علمية منشورة في عدة مجلات أكاديمية وطنية ودولية، بالإضافة إلى فصول الكتب كذلك.

 

في هذا الحوار الحصري مع جريدة”مارس30″، تناقش المستعربة والباحثة الإسبانية مانويلا كورتيس غارسيا عدة مواضيع جوهرية: ارتباطها باللغة العربية، تاريخ الأندلس، صورة ما هو عربي وإسلامي في إسبانيا، الموسيقى الأندلسية، المرأة الأندلسية والموريسكية، الشعر الأندلسي، المغرب، إلخ.

 

– أنت أستاذة جامعية حاصلة على درجة الدكتوراه في فقه اللغة السامية من جامعة مدريد المستقلة (إسبانيا)، وحاصلة على الإجازة في فقه اللغة السامية: العربية والإسلامية.

حدثينا قليلاً عن بداياتك مع اللغة العربية. ونود أيضاً معرفة سبب اهتمامك بفقه اللغة السامية.

– بدأتُ بتعلم اللغة العربية في المدرسة الرسمية للغات في مدريد (أوائل ثمانينيات القرن الماضي) ودرستُ فيها لمدة خمس سنوات. وقد دفعتني معرفتي بالشعر العربي الشرقي والغربي، بالإضافة إلى الأعمال الفلسفية لجبران خليل جبران، إلى إختيار الدراسات السامية، بالضبط اللغة والثقافة العربية والإسلامية.

 

– هل ما زال هناك اهتمام بـ”الدراسات العربية والإسلامية” في إسبانيا؟ 

– بالطبع، ولذلك نجد عدة شعب تُدرّس هذه الدراسات في جامعات الأندلس ومدن الشرق، بالإضافة إلى جامعات أخرى.

 

– كيف ينظروا الإسبان إلى كل ما له علاقة بالعرب والإسلام؟ 

– تتعدد وجهات النظر والرؤى، إذ ينصب التركيز على جوانب مختلفة. من بينها سياسات الهجرة، والثقافة في سياق التبادل الثقافي، والعلاقات الاجتماعية والثقافية والدينية والسياسية.

 

– كيف ترين الوضع الراهن للغة العربية في إسبانيا؟

– حاليا هناك بعض الجامعات والكليات التي مازالت تحافظ على برامجها في مجال فقه اللغة العربية، بينما في جامعات وكليات أخرى تم دمج فقه اللغة العربية ضمن مجالات فقهية أخرى.

 

رغم ذلك، نلاحظ تزايدا في عدد الماسترات المتعلقة بالتراث المشترك والتخصصات في السياسة والأوضاع الراهنة في الشرق الأوسط عمومًا.

 

– أنت خبيرة في تاريخ الموسيقى الأندلسية. ماذا يمثل هذا المجال بالنسبة لك؟ ما مدى تأثير الموسيقى الأندلسية على الموسيقى الإسبانية الآن؟

– أهتم بهذا المجال، بحثا وكتابة، منذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي إلى يومنا هذا. و ما زلتُ ملتزمة بهذا الشغف نظرًا لأهمية التراث المشترك بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط.

 

وهو أحد مجالات التربية والبحث والنشر والتدبير الثقافي، باعتباره تراثًا موسيقيًا مشتركًا بين الضفتين.

 

على صعيد التدريس والتدبير الثقافي، كان من أهم مهامي استحداث مجالات تدريس وبحث جديدة في جامعة غرناطة وكلية الفلسفة والآداب، مع التركيز على مواضيع مثل تاريخ الموسيقى العربية، والتراث الموسيقي الأندلسي-المغاربي، ومشاركتي في الموسيقى العالمية وموسيقى البحر الأبيض المتوسط. وهي مواد قمت بتدريسها في برامج الإجازة والماستر في شعب تاريخ الفن والموسيقى، وتاريخ وعلوم الموسيقى، وفقه اللغة السامية، منذ مطلع القرن الحادي والعشرين وحتى عام 2022.

 

فيما يتعلق بتأثير الموسيقى الأندلسية على الموسيقى الإسبانية، يمكن تلمس بصمتها في بعض أنماط الفلامنكو، لا سيما في الجوانب المقامية، والمواضيع، وبعض العناصر الأسلوبية. هذه أشكال موسيقية تقليدية متجذرة في المنطقة الشرقية، بأنماط مقامية مبنية على ألحان مرتبطة بالمقام.

 

– في عام 2018، صدر لك كتاب تحت عنوان “الموسيقى العربية والأندلسية للضفتين في الدراسات الموسيقية (من القرن الثامن عشر إلى القرن الحادي والعشرين)”. حدثينا قليلاً عن هذا البحث. 

– هذا أحد أحدث ثلاثة أعمال نُشرت في مجال البحث في الموسيقى الكلاسيكية، حيث أقدم فيه نظرة شاملة على الدراسات التي أُجريت على الموسيقى العربية-الشرقية، والأندلسية، والموريسكية، والأندلسية-المغاربية، منذ القرن الثامن عشر حتى الآن.

 

كما يتضمن الكتاب تصنيفا للمخطوطات العربية المتعلقة بهذه الأشكال الموسيقية، إلى جانب تحليل شامل للأيقونات الموسيقية، وعلم الآثار الموسيقية، والتداخل بين التخصصات، وفهرسة التسجيلات، والوضع الراهن للموسيقى الأندلسية-المغاربية، مع توضيح التحديات الجديدة التي تواجهنا في سياق الألفية الجديدة.

 

– كيف تنظرين إلى المرأة الأندلسية والموريسكية وإسهاماتها في المجال الفني؟

– يتناول كتابي (“الأنشطة الفنية للنساء الأندلسيات والموريسكيات: الغناء، والآلات الموسيقية، والرقص”)، الذي نُشر عام 2023، هذا الموضوع تحديدًا، لأنه يستند إلى مصادر وثائقية عربية. يُسلّط هذا العمل الضوء على أهمية المرأة الأندلسية والموريسكية – مغنيات وشاعرات وراقصات – في مجالات الموسيقى والفنون عمومًا، ويتضمن أيضًا بعض الرؤى حول المرأة الأمازيغية.

 

ونظرًا لعدم وجود دراسات أكاديمية تُركّز على أهمية النساء الحرائر والمستعبدات اللواتي تلقين تدريبًا في مختلف المجالات الفنية، فقد رأيتُ في هذا الموضوع مجالًا واسعًا للبحث يُكمّل بعض أعمالي السابقة في هذا المجال. علاوة على ذلك، خصّصتُ الفصل الأول للأبحاث التي أُجريت حول المرأة العربية-الشرقية والمرأة الأندلسية.

 

تُسهم قائمة المراجع الشاملة المُدرجة في كتبي في إثراء البحث في مختلف المجالات المتعلقة بدراسات النوع الاجتماعي، وتشجع الأجيال الشابة من الباحثين على مواصلة استكشاف هذه المواضيع.

 

– فيما يخص الشعر الأندلسي، من هم الشعراء الأندلسيون الذين نالوا اعجابك أكثر؟ ولماذا؟

– يعتبر الشعر الأندلسي من بين أنواع الشعر المفضلة لدي. أطروحتي للدكتوراه بعنوان “دراسة وترجمة كناش الحايك”، وهي مخطوطة من التراث الشفهي كُتبت في القرن الثامن عشر على يد مُورِسكي كان يعيش في تطوان، تحتوي على ما يقارب 900 قصيدة (قصائد، وموشحات، وزجل)، قمتُ بترجمتها في هذا العمل. وقد أتاح لي ذلك دراسة الشعر الشرقي والأندلسي والتعرف عليه بشكل كبير، بالإضافة إلى بعض القصائد المجهولة لشعراء مورِسكيين. إن تنوع المواضيع التي يتناولونها وجمال قصائدهم وأبياتهم أمرٌ جدير بالإعجاب.

 

لذا، لا يمكن اختيار أو الإعجاب بشاعر واحد فقط، بالنظر إلى العمل الشعري الكبير لكلٍّ منهم، وكذلك الظروف أو الدوافع التي دفعتهم إلى هذا الإبداع.

 

أودّ أن أضيف أن معرفتي بالشعر العربي الكلاسيكي والمعاصر بدأت في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، ومن ثم ظهرت كتبي الأولى في الترجمة والنقد الأدبي حول الشاعر العراقي علي جعفر العلاق، والشاعرين المصريين محمد أبوسنة وطلعت شاهين.

 

– كيف تنظرين إلى تاريخ الأندلس، أي وجود المسلمين في شبه الجزيرة الأيبيرية على مدى ثمانية قرون؟

– على الرغم من اختلاف النظريات حول التأريخ الأندلسي، واتساع نطاق وجهات النظر في هذا الإطار، فإنّ إسهامتهم في العلوم الإنسانية والطبيعية خلال العصور الوسطى واضحة، وكذلك تأثيرهم على عصر النهضة الأوروبية.

 

– كيف ترين العلاقات الحالية بين إسبانيا والعالم العربي والإسلامي؟

– هذا موضوعٌ مثيرٌ للجدل والنقاش في الوقت الراهن. لكن أعتقد أن السياسة الإسبانية الحالية والعلاقات الثقافية جيدة، نظرًا لأن إسبانيا من أقرب الدول إلى العالم العربي-الإسلامي بفضل التراث المشترك.

 

– ما الدور الذي يمكن أن يلعبه المستعربون الإسبان في بناء جسور التواصل بين شبه الجزيرة الأيبيرية والعالم العربي والإسلامي، وفي إزالة الأحكام المسبقة والصور النمطية -أو على الأقل الحد منها-؟

– إن دورنا كمدرسين وباحثين ومنسقين ثقافيين أساسي لبناء جسور التواصل، والمساهمة في إزالة أو توضيح المواقف المرتبطة ببعض الصور النمطية القديمة وذلك من أجل تطوير وإغناء التفاعل الثقافي، بين كلا الطرفين، لأن معرفة الثقافات الأخرى يعتبر دائما قيمة مضافة ولا يضر أبدا.

 

نحن جميعًا نتاج حضارات وثقافات مشتركة عديدة؛ لذا، ينبغي أن يكون هدفنا هو تجاوز الأحكام المسبقة الماضي ونبذها، والمضي قدمًا برؤى الألفية الجديدة.

 

– في عام 2020، صدر لك كتاب بعنوان “رحلة عبر مصر: جولة عبر المدن والأسواق والسواحل”. وهو عبارة عن مجموعة قصصية مستوحاة من تجاربك ورحلاتك في مصر. كيف هي علاقتك بالدول العربية؟

– فعلا. اشتغلت لسنوات عديدة في مصر في مجال البحث حول الموسيقى الأندلسية، وذلك بفضل العديد من المنح التي حصلتُ عليها خلال دراستي للدكتوراه، وكباحثة متخصصة خلال دراستي ما قبل الدكتوراه، وتحديدًا في مجال الموشحات والزجل، وهو موضوع نشرتُ بحثًا عنه قبل بضعة أشهر في جامعة كاليفورنيا.

 

كما اشتغلت كأستاذة في جامعة القاهرة، بشعبة اللغة والثقافة الإسبانية. قادتني التجارب التي اكتسبتها من رحلاتي العديدة عبر أرجاء هذا البلد ومعرفة سكانه إلى نشر روايتي “البدوي صاحب الحلم الثالث”، وديواني الشعري الأول “أبواب الروح الأربعة” (الأندلس، المغرب، الشرق، وقصائد صوفية)، وأيضا هذه “الرحلة”. وأشتغل حاليًا على عملين جديدين حول قصائدي الشعرية ورحلة جديدة.

 

ارتباطي ببلدان الشرق الأوسط والمغرب العربي دائما متواصلة من خلال منشوراتي، ومشاركتي في المؤتمرات والمحاضرات، وتعاوني في المعارض، والتسجيلات الموسيقية، والتنسيق الثقافي.

 

منذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي، درستُ في الجامعة المستنصرية ببغداد، بفضل منحة دراسية من وزارة التربية والتعليم. عملتُ أستاذة للغة الإسبانية في معهد سرفانتس ببغداد، وشاركتُ في أولى مؤتمراتي، وترجمتُ وكتبتُ نقدًا أدبيًا حول بعض الشعراء العرب المعاصرين. كما شاركت في أعمال ومقالات متنوعة.

 

– كم مرة زرت المغرب؟ كيف ترين هذا البلد؟

– لا أستطيع حصر عدد المرات التي زرت فيها المغرب سواء في إطار رحلاتي الدراسية أو رحلاتي السياحية الثقافية.

 

ساعدتني معرفتي بالبلاد، من شمالها إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها، في الاطلاع على عدد لا يُحصى من المخطوطات العامة والخاصة خلال دراستي للدكتوراه، فضلاً عن التواصل والتعلم من كبار الأكاديميين والباحثين فيها، وأساتذة الموسيقى وتلاميذهم، إلى جانب أصدقاء أعزاء ما زلت على تواصل معهم حتى اليوم.

 

قادتني رحلاتي الأخيرة، التي أقوم بها سنوياً في الغالب، إلى اكتشاف التحول الكبير الذي يشهده البلد على كافة المستويات.

 

وبالتالي، فإن التقدم التكنولوجي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي والسياحي الذي لاحظته خلال السنوات العشر الماضية هو ثمرة للتطور الذي يشهده المغرب اليوم على جميع هذه المستويات.

 

– أخيراً، ما هي الرسالة (أو الرسائل) التي تودين توجيهها إلى القارئ الإسباني والعربي؟

– هناك رسالة دائما أختتم بها منشوراتي ومشاركاتي في المؤتمرات: ينبغي أن نركز جهودنا على معرفة الآخر، بعيدا عن الأحكام المسبقة والصور النمطية القديمة، لكي ننقل إلى الأجيال الشابة أنه من خلال التضامن المشترك في مجال العمل القائم على الثقافات والتقاليد التي تجمعنا، يمكننا المضي قدماً نحو عالم أفضل وأكثر تضامنا ووحدة.

 

التصنيف : اسبانيا المغرب حوارات