20 يونيو 2026 / 00:12

بيت الصحافة

حين يتخلى الحارس عن مفاتيح اللغة

مارس 30 - 17 يناير 2026

في مقال رأي طويل ومثير للجدل نشرته صحيفة إلموندو الإسبانية، بحر هذا الأسبوع، وقد يصلح في كل البلدان أمام غزو التفاهة والتسطيح والتبسيط المبالغ فيه، وجّه الكاتب والروائي الإسباني المعروف أرتورو بيريث ريفيرتي، عضو الأكاديمية الملكية الإسبانية منذ 2003، انتقادات غير مسبوقة للمؤسسة التي ينتمي إليها، معتبراً أن الأكاديمية لم تعد وفية لشعارها التاريخي والمتمثل في تنظيف وتنقية اللغة وتثبيتها ومنحها رونقها، وأنها تخلّت تدريجياً عن دورها المرجعي في حماية اللغة الإسبانية والدفاع عن جودتها ورمزيتها الثقافية. المقال، الذي أثار نقاشاً واسعاً في الأوساط الثقافية والإعلامية في إسبانيا، لا يهاجم اللغة الإسبانية نفسها، بل يدافع عنها في مواجهة ما يصفه بتراجع شجاعة المؤسسة المسؤولة عن رعايتها. هذا الوضع الصعب لا تواجهه اللغة الإسبانية وحدها بل مجموعة من اللغات الواسعة الانتشار مثل العربية.

ينطلق بيريث ريفيرتي من التذكير بأن الهدف النبيل الذي تأسست من أجله الأكاديمية الملكية الإسبانية قبل أكثر من ثلاثة قرون كان حماية اللغة وتنظيمها ورفع مستواها، لا تجميدها ولا تحويلها إلى أداة نخبوية مغلقة. غير أنه يرى أن هذا الوعد لم يعد قائماً في نظر عدد متزايد من الكتّاب واللغويين والقراء، ليس لأن اللغة الإسبانية في أزمة، بل لأنها تعيش ازدهاراً وانتشاراً غير مسبوقين، بينما المؤسسة المكلفة بتوجيهها اختارت، عن قصد أو عن تردد، التخلي عن دورها المعياري والاكتفاء بتسجيل ما يجري في الشارع والإعلام والشبكات الاجتماعية.

في تفسيره لمفهوم «التنقية»، يوضح الكاتب أن المقصود لم يكن أبداً فرض لغة جامدة أو متحجرة، بل وضع معايير واضحة تميّز بين الاستخدام السليم والرديء، وتساعد المتعلمين والمتحدثين، خاصة غير الناطقين بها، على امتلاك أدوات التعبير الدقيق. غير أن الأكاديمية، بحسبه، انسحبت من هذا الدور واختارت نهجاً وصفياً خالصاً، مسلّمةً بأن ما يُستعمل بكثرة يصبح تلقائياً صحيحاً، حتى وإن كان نابعاً من الجهل أو التبسيط المخل. ويعتبر أن هذا التوجه أفرغ مفهوم «الصواب اللغوي» من مضمونه، وجعل اللغة رهينة ضغوط الإعلام والسياسة ومنصات التواصل الاجتماعي، حيث قد يصبح تأثير «يوتيوبر» أو «مؤثر» محدود الثقافة أقوى من تأثير كاتب حائز على جائزة سيرفانتس.

ويشير بيريث ريفيرتي إلى أن داخل الأكاديمية نفسها دارت، ولا تزال تدور، نقاشات حادة بين من يرون أن دورها يقتصر على تسجيل الاستعمال، وبين من يعتبرون أن التسجيل وحده لا يكفي وأن مهمة الأكاديمية الأساسية هي التوجيه والتحذير قبل أن تتحول الأخطاء إلى أعراف راسخة. لكنه يأسف لأن الصوت الثاني يضعف يوماً بعد يوم، إما بسبب رحيل رموزه أو بسبب الإرهاق، فيما ترفض المؤسسة إصدار بيانات دورية واضحة حول حالة اللغة، خشية أن تُتهم بالنخبوية أو المحافظة في مناخ ثقافي وسياسي شديد الحساسية تجاه أي سلطة معيارية.

وعند تناوله لمفهوم «التثبيت»، يشدد الكاتب على أن تثبيت اللغة لا يعني تجميدها، بل توفير نقاط ارتكاز مشتركة تحميها من التفكك والاضطراب. لكنه يرى أن الأكاديمية باتت مترددة حتى في هذا الدور، كما تعكسه إصلاحات إملائية متتالية يصفها بالمرتبكة وغير المبررة، حيث تُترك مسائل أساسية من قبيل استخدام الهمزات أو علامات التشكيل أو الحروف الكبيرة في دائرة «الأمر يعود لك»، ما يفقد المؤسسة هيبتها ويحوّلها من مرجع إلى طرف متردد. الأخطر من ذلك، في نظره، أن الأكاديمية لم تعد تصغي بما يكفي لآراء الكتّاب المكرسين، بل أوكلت عملياً جزءاً من وظيفتها التثبيتية إلى وسائل الإعلام والشبكات الاجتماعية، متخلية عن مسؤوليتها في توجيه الذوق اللغوي العام.

أما «الرونق» أو «الإشراق» الذي يفترض أن تمنحه الأكاديمية للغة، فيراه بيريث-ريفيرتي البعد الأكثر إهمالاً. فاللغة، في نظره، ليست مجرد قواعد ومعجم، بل تراث أدبي ورمزي وتاريخي. غير أن الخطاب الرسمي للأكاديمية، كما يلاحظ، بات هاجسه الأساسي تجنب أي اتهام بالنخبوية، ما دفعه إلى اعتماد لغة مبسطة وأحياناً سطحية في تواصله الخارجي، أقرب إلى أسلوب الشبكات الاجتماعية منها إلى تقاليد مؤسسة ثقافية عريقة. ويعتبر أن هذا التكيف مع منطق السرعة والاختزال يبعث برسالة خطيرة مفادها أن الدقة والعمق لم يعودا مهمين، وأن التداول الكثيف يكفي لمنح الشرعية.

ينتقد الكاتب بشدة اعتماد الأكاديمية المتزايد على الشبكات الاجتماعية كمصدر لإثبات «الاستعمال»، مذكّراً بأن هذه الفضاءات، رغم فائدتها في الرصد السوسيولغوي، غير صالحة لأن تكون نموذجاً معيارياً، لأنها تقوم على التبسيط والفوضى وقلة السياق. ويذهب إلى أن إضفاء الشرعية الأكاديمية على هذا النوع من اللغة يؤدي إلى تدهور شامل في الذوق اللغوي وفي القدرة على التفكير الدقيق، لأن اللغة الرديئة، كما يقول، تنتج فكراً رديئاً.

ويتوقف المقال عند علاقة الأكاديمية بالسياسة، خصوصاً في ما يتعلق بما يسمى «اللغة الشاملة» أو «الجامعة»، حيث يرى بيريث-ريفيرتي أن موقف المؤسسة اتسم بالتردد والصمت المفرط، تاركةً المواجهة الفكرية لعدد محدود من الأكاديميين الذين تدخلوا بصفاتهم الشخصية. هذا الصمت، في رأيه، فُهم على أنه ضعف أو خوف من إغضاب السلطة السياسية، وأسهم في تسييس اللغة بدل حمايتها من التوظيف الإيديولوجي.

كما ينتقد ما يسميه «الصمت الفكري» للعديد من الأكاديميين الحاليين، مقارنة بمراحل سابقة كانت فيها الأكاديمية تضم أسماء فكرية وأدبية كبرى تقود النقاش العام حول اللغة. اليوم، بحسبه، تُدار القضايا الأساسية داخل لجان ضيقة، وتُفرض القرارات كأمر واقع، من دون النقاش الجماعي العميق الذي كان يميز المؤسسة، وهو ما أدى إلى انقلاب في ميزان السلطة اللغوية، حيث بات التكرار الكمي في الإعلام والشبكات الاجتماعية يتفوق على الجودة الأدبية والفكرية.

في هذا السياق، يعبّر بيريث ريفيرتي عن أسفه لتهميش صوت الكتّاب داخل الأكاديمية، معتبراً أن الاستغناء عن خبرتهم يعني بتر البعد الجمالي والفكري للغة وتحويلها إلى أداة وظيفية بلا روح. ويرى أن هذا المسار يؤدي إلى حلقة مفرغة: إعلام يكتب بلغة أضعف، أكاديمية تشرعن هذا الضعف، ثم جمهور يزداد اقتناعاً بأن الدقة اللغوية مسألة ثانوية.

ويختم الكاتب مقاله بالتأكيد على أن انتقاده لا يستهدف تقويض الأكاديمية أو إنكار تاريخها، بل التحذير من أزمة عميقة تهدد دورها المستقبلي. فاللغة الإسبانية، في نظره، لا تحتاج إلى شرطة لغوية، لكنها تحتاج إلى مؤسسة شجاعة قادرة على وضع معايير، والدفاع عن الجودة، وقبول إزعاج البعض باسم المصلحة العامة. من دون تنقية، لا وضوح؛ ومن دون تثبيت، لا استقرار؛ ومن دون رونق، لا جمال. وإذا استمرت الأكاديمية في تكريس الضجيج بدل الفكر، والتكرار بدل التميز، فإنها ستفقد ما تبقى من سلطتها، لا لأن اللغة تتغير، بل لأنها تخلت عن الجرأة في حمايتها.

التصنيف : المغرب