حوار وترجمة: محمد الشاربي
ألمودينا أريزا أرمادا حاصلة على شهادة الإجازة في الجغرافيا والتاريخ (التاريخ الوسيط)، وحاصلة على الدكتوراه، شعبة الدراسات العربية والإسلامية، جامعة كومبلوتنسي بمدريد (إسبانيا).
منذ عام 2000، تعمل أستاذةً في عدة جامعات أمريكية. تُدرّس حاليًا في فروع مدريد التابعة لجامعة ستانفورد، وجامعة نيويورك، وجامعة سان دييغو، وجامعة كومياس البابوية، حيث تُقدّم دورات وندوات حول الأندلس، وإسبانيا والإسلام، والإسلام المعاصر، والسفارد، والتاريخ الثقافي لإسبانيا.
شاركت ألمودينا أريزا في العديد من المشاريع البحثية، والعديد من المؤتمرات والندوات والأوراش والمؤتمرات الوطنية والدولية. حازت على جوائز عديدة، سواءً في مجال البحث (جامعة كومبلوتنسي بمدريد، والجمعية الإسبانية لعلم المسكوكات) أو في مجال التدريس (جامعة نيويورك، وجامعة ستانفورد).
من بين مؤلفاتها الغزيرة نذكر ما يلي: كتاب “من برشلونة إلى وهران: العملات النقدية باسم الخلفاء الحموديين في الأندلس”، الحائز على جائزة خافيير كوندي غاريغا من الجمعية الإسبانية لعلم المسكوكات، وكتاب “تاريخ ملوك الطوائف”.
في هذا الحوار الشيق والحصري مع صحيفة “مارس30″، تناقش المستعربة والمؤرخة الإسبانية ألمودينا أريزا أرمادا عدة مواضيع بالغة الأهمية: بداية ارتباطها باللغة العربية، صورة ما هو عربي وإسلامي في إسبانيا، تاريخ الأندلس، علم المسكوكات، كتاب “تاريخ ملوك الطوائف”، المغرب، إلخ.
– أنتِ حاصلة على درجة الدكتوراه من شعبة الدراسات العربية والإسلامية، جامعة كومبلوتنسي بمدريد (إسبانيا). حدثينا قليلاً عن بداية ارتباطك وشغفك باللغة العربية. ونود أيضاً معرفة سبب اهتمامكِ بـ”الدراسات العربية والإسلامية”.
– في الحقيقة، بدأ ارتباطي باللغة العربية منذ الطفولة. فقد درست والدتي اللغة العربية منذ فترة شبابها، وكانت كتب اللغة العربية موجودة في مكتبة البيت. ومنذ صغري، كنت معجبة بها، ورغبت في تعلم قراءتها. كانت تبدوا جميلة، وأحببت الخط العربي. وقد انجذبت بشكل خاص إلى طبعة من رواية مارغريت ميتشل “ذهب مع الريح”.
كما غرست والدتي فيّ تقديرها للفن العربي الإسلامي. من جهة أخرى، وضع والدي، الذي عمل لفترة في مجال التحف، عملات أندلسية بين يدي، والتي أثارت إعجابي بنفس القدر. لذا، عندما التحقت بالجامعة، كنت أعرف التخصص الذي أختاره، وبدأتُ دراسة اللغة العربية في “المعهد الإسباني العربي للثقافة” الشهير -الذي لم يعد موجودًا الآن-، بالتزامن مع تخصصي في التاريخ الوسيط بالجامعة، وخلال فصل الصيف كنتُ أحضر دورات مكثفة في اللغة العربية في تونس والمغرب.
– هل ما زال هناك اهتمام بـ”الدراسات العربية والإسلامية” في إسبانيا؟
– حسنًا، أعتقد أنه ما زال هناك اهتمام بذلك، لكن بشكل أقل من السابق، يبدو أن الاهتمام يتراجع شيئا ما. ولكن بما أنني لا أُدرّس في جامعة إسبانية الآن، أتحدث هنا بناءً على ما سمعت.
أُدرّس طلابًا من جميع أنحاء العالم يتابعون دراستهم في جامعة نيويورك أو جامعة ستانفورد، ويأتون للدراسة في إسبانيا لفصل دراسي أو فصلين. بالنسبة لهم، لم يتضاءل الاهتمام بالعلاقات بين إسبانيا والإسلام؛ ظلّ هذا الأمر ثابتًا إلى حدّ كبير خلال السنوات الست والعشرين التي قضيتها في التدريس. شهدنا بعض التقلبات، لكن عدد الطلاب المهتمين، بشكل عام، ظلّ ثابتًا.
– بشكل عام، كيف ينظر الإسبان إلى ما هو عربي وإسلامي؟
– من وجهة نظري، لدى الإسبان، بشكل عام، نظرة مغلوطة إلى حد كبير عن كل ما هو عربي وإسلامي، وكثير منهم لا يعرفون حتى الفرق بين المصطلحين. هناك جهل كبير. وفي هذا الجهل، لا يوجد عادةً موقف وسط: إما أن يُحبّوا ذلك أو يرفضونه رفضًا قاطعًا، وفي كلتا الحالتين، ينظرون إليه بشعور كبير.
– فيما يخص تاريخ الأندلس، لماذا يرفض بعض الإسبان الاعتراف بالإرث الكبير الذي تركه المسلمون في شبه الجزيرة الأيبيرية؟ لماذا يديرون ظهورهم للتراث الثقافي العربي الإسلامي الذي بات جزءًا لا يتجزأ من هويتهم؟
– يعود ذلك في الغالب إلى الجهل، أو أيضا بسبب وجود فهم مشوّه للتاريخ. لذا، ينظر البعض إلى الأندلس كشيء غريب وأجنبي، بل كرمز “للعدو” الذي طُرد من شبه الجزيرة. وهو رفضٌ داخلي أو عاطفي، أراه، بحسب تجربتي، لدى أناس من مختلف التوجهات السياسية.
تكمن المشكلة في أنهم لا يرون إلا الجانب السلبي ويتمسكون به. لقد شكّلت أحداث الحادي عشر من شتنبر نقطة تحوّل كبيرة، وظهور “داعش” لم يزد الوضع إلا سوءًا، مما جعل العالم العربي الإسلامي يفقد بعضًا من جاذبيته بالنسبة للأجيال الجديدة. طغى شعور التهديد وانعدام الأمن على مشاعر الكرم والضيافة والترحيب. وبسبب وجود الدعاية السياسية، أصبح رفض هويتنا الثقافية أمرا مستشريا.
– في نفس السياق، نشرت مؤخرًا كتابًا جديدًا بعنوان “تاريخ ملوك الطوائف”. لماذا العودة إلى الكتابة حول هذا الموضوع بالذات؟ هل يحتوي هذا الكتاب على معطيات جديدة في هذا الشأن؟
– إن القرن الحادي عشر في الأندلس، بالنسبة لعامة الناس، يُعدّ الفترة الأكثر غموضًا في تاريخ إسبانيا. على الرغم من وجود مئات المقالات والدراسات الأكاديمية التي تناولت جوانب جزئية عن ممالك الطوائف أو بعض ممالك الطوائف، فإن آخر الأعمال المتاحة على نطاق واسع حول هذا الموضوع تعود إلى عشرين عامًا مضت، أحدها نشر عام 1992 (ماريا خيسوس فيغيرا، “ممالك الطوائف والغزوات المغاربية” (الأندلس من القرن الحادي عشر إلى الثالث عشر)، دار مابفري للنشر، مدريد)، وأحدثها نشر عام 2005 (بيير غيكارد وبرونا سورافيا، “ممالك الطوائف: الانقسام السياسي والازدهار الثقافي”، دار ساريا للنشر، مالقة).
لذا، برزت الحاجة إلى كتاب محين وتثقيفي، موجه لكل من يريد التعرّف على هذا الموضوع لأول مرة، كما يُجيب على السؤال الذي يطرحه الجميع: ماذا حدث في ممالك الطوائف؟
أما بخصوص سؤالك الثاني، يحتوي الكتاب، بالفعل، على العديد من العناصر الجديدة. بل إنه يقترح نموذجًا جديدًا.
أولًا، يتميز الكتاب بنهجه المبتكر، إذ يتناول القضية من منظور الخلافة، ويركز على ملوك الطوائف وسلالاتهم، بدلًا من التركيز على الأقاليم أو الأراضي.
ثانيًا، نظرًا لأن الخلافة لم تختفِ فعليًا عام 422 هـ/1031 م، فقد قسمتُ فترة الطوائف إلى قسمين، لأنها لم تكن فترة واحدة متجانسة، بل فترتين: النصف الأول من القرن الحادي عشر، الذي استمر فيه وجود الخلفاء، حيث شكّل الاعتراف بهم، أو عدمه، سياسات ممالك الطوائف؛ والنصف الثاني من القرن، حيث شكّل رحيل الخلفاء وتهديد الممالك المسيحية في شمال شبه الجزيرة الأيبيرية سياسات وديناميكيات ممالك الطوائف خلال هذه الفترة.
ثالثًا، يُسلّط الكتاب الضوء على سلالة الخلافة الحمودية، التي لم تحظَ بالتقدير الكافي سابقًا، وذلك بتخصيص فصل كامل لها، لما تستحقه من أهمية.
رابعًا، يُقدّم الكتاب تصنيفًا جديدًا لممالك الطوائف، متجاوزًا التصنيفات التقليدية التي هيمنت على التأريخ حتى الآن، وتحديدًا ما يُسمى بـ”التصنيف العرقي” أو المقترحات الجغرافية المختلفة. أي أنه يُقدّم تصنيفًا جديدًا قائمًا على الخلافة في الفترة الأولى لممالك الطوائف (أي الخليفة المعترف به)، وفي الفترة الثانية، هناك تصنيف آخر قائم على المصير النهائي لممالك الطوائف (أي التي تعرضت للغزو).
وأخيرًا، يُقدّم الكتاب معلومات جديدة قيّمة، مُستقاة في معظمها من علم المسكوكات.
والنتيجة في آخر المطاف هي الخروج بكتاب أكثر شمولًا وتحيينا ووضوحًا حول التاريخ السياسي لملوك الطوائف.
– بصفتك متخصصة في تاريخ الأندلس، هل تعتقدين أنه من الضروري إعادة كتابة هذا التاريخ، أم أنه مكتوب بشكل جيد بالفعل؟
– نعم، من الضروري مراجعته. ليس لأنه مكتوب بشكل “سيئ”، بل لأن هناك مصادر لم تستغل حتى الآن بشكل كافٍ، مثل علم المسكوكات، وهذه المصادر لا تزال قادرة على توضيح وتفصيل جوانب عديدة من تاريخ الأندلس. علاوة على ذلك، لأن المؤرخين، شئنا أم أبينا، نحن “أبناء عصرنا”، والأزمنة تتغير، ومعها تتغير وجهات النظر. ولكن من الضروري الاهتمام بالمنهج التاريخي، والسعي إلى الموضوعية قدر الإمكان في تحليل المصادر.
يجب أن يكون المؤرخ في خدمة التاريخ، لا أن يكون التاريخ في خدمة أيديولوجية المؤرخ أو مصالحه السياسية، كما يحدث أحيانًا للأسف.
– ما الدور الذي يمكن أن يلعبه المستعربون الإسبان في مد جسور التواصل بين شبه الجزيرة الأيبيرية والعالم العربي -الإسلامي؟
– لا شك أن بإمكانهم أن يلعبوا دورًا محوريًا في التعريف بالتاريخ الذي يجمعنا بشكل واضح وصحيح: فتاريخ شبه الجزيرة الأيبيرية عمومًا، وإسبانيا خصوصًا، لا يُمكن فهمه دون فهم علاقاتها التاريخية مع العالم العربي-الإسلامي.
– ماذا يُمكن القول عن علم المسكوكات في الأندلس وشمال إفريقيا؟
– إنه لأمرٌ مُذهل! فإلى جانب جمالها وروعة تصميمها، تعد مصدرًا غنيًا بالمعلومات، ولا تزال تسهم في إغناء المعرفة التاريخية.
– كيف ترين العلاقات الحالية بين إسبانيا والعالم الإسلامي؟
– حقيقة، لستُ خبيرة في المجال السياسي أو القضايا المعاصرة، لذا لا أتوفر على معلومات كافية، ورأيي مبنيٌّ فقط على ما قرأته في هذا الموضوع: عمومًا، هناك انطباع بأن إسبانيا تُحاول الحفاظ على دورها الريادي في العلاقات بين أوروبا والعالم الإسلامي، وهو الدور الذي اضطلعت به في الماضي القريب، وإن كان ذلك، للأسف، بنتائج مُتباينة.
– كم مرة زرتِ المغرب؟ ما انطباعاتكِ خلال هذه الزيارات؟ ربما لاحظتِ العديد من أوجه التشابه، خاصةً من الناحية المعمارية، بين المغرب وبعض المناطق الأندلسية.
– لقد زرت المغرب عشرات المرات، لا أستطيع حصر العدد بالضبط. كانت زياراتي الأولى كطالبة في تخصص اللغة العربية، ثم مع زوجي وأولادي عندما كانوا صغارا، وزرت المغرب أيضا مع الأصدقاء، وكنت أصطحب طلابي خلال كل فصل دراسي لمدة اثني عشر عامًا… كلما احتجت إلى تجديد طاقتي، كنت أذهب إلى المغرب. والآن أفكر بالفعل متى سأعود إليه… المغرب هو البلد الذي أشعر دائمًا بالحاجة إلى العودة إليه.
نعم، هناك العديد من أوجه التشابه المعمارية التي أستمتع بها بالتأكيد. لكن أكثر شيء يعجبني هو التطور والتحول الرائع الذي شهده البلد خلال العشرين عامًا الأخيرة. في كل مرة أزوره، أجده قد تحسن، وأُعجب بكيفية تمكنه من تحقيق هذا التطور دون أن يفقد جوهره.
– ختاما، ما هي الرسالة (أو الرسائل) التي تودين توجيهها إلى القراء الإسبان والعرب؟
– حسنًا، أولًا وقبل كل شيء، أود أن أشجع للقراء على قراءة الكتاب (“تاريخ ملوك الطوائف”). يتعلق الأمر بكتاب يُساعدنا، من جهة، على فهم أحداث القرن الحادي عشر بشكلٍ أفضل، والعلاقات بين ملوك الطوائف أنفسهم، وبينهم وبين القوى الأخرى التي لعبت دورًا محوريًا آنذاك: القوى المسيحية في شمال شبه الجزيرة الأيبيرية، وقوى المغرب العربي المختلفة.
ومن جهة أخرى، يُفنّد الكتاب العديد من الأفكار المسبقة عن تلك الفترة، مثل الاعتقاد بأن الحموديين كانوا ملوك الطوائف، أو أن ملوك الطوائف تصرفوا بدافع الطموح الشخصي فقط، مُشتتين تمامًا، ولا يُفكّرون إلا في مصالحهم الإقليمية، على سبيل المثال.
وثانيًا، أودّ أن أُذكّرهم بضرورة التعلّم والاستفادة من التاريخ، والتركيز على الفرد، فالشخص الذي أمامك هو إنسان مثلك تمامًا. لم نكن ولسنا مختلفين كثيرًا عن بعضنا البعض، ولم نتغيّر كثيرًا… في أعماقنا، كلنا يرغب في تحقيق نفس الشيء: العيش بسلام، والازدهار، وضمان عالم أفضل لأبنائنا. وفي ظلّ هذا الوضعٍ المضطربٍ وغير المستقرّ، فإنّ كلّ يومٍ وكلّ جهدٍ يُبذل من أجل السلام يعتبر أمرا مهما جدا.