20 يونيو 2026 / 00:14

بيت الصحافة

المغرب وإسبانيا في 2026.. صورة رمزية معبّرة

مارس 30 - 13 يناير 2026

توفيق سليماني*

أصبحت الصورة تكتسي أهمية قصوى في العالم الرقمي الذي نعيش فيه. لا شيء يكتمل من دون صورة. حتى الأخبار من دون صور تتحول إلى «خبز حافي». فالصور اليوم قد تقرّب أو تُبعد بين الناس. المصوّر قبل الصحافي؛ هذا ما نراه اليوم. والصورة العائلية في اللقاءات الرسمية قبل المحتوى. كانت الصورة، كما حدث مع اعتقال الرئيس الفنزويلي، كافية لتحقيق ما كان يريده الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

الصورة المعبرة (في افتتاح المؤتمر).
الصورة المعبرة (في افتتاح المؤتمر).

وبينما كنا نركّز على الصور القادمة من فنزويلا والولايات المتحدة الأمريكية، مرّت علينا صورة معبّرة آتية من الجارة الشمالية إسبانيا، وهي صورة لا يمكن أن يمرّ عليها المختص مرور الكرام. صورة تكشف نوايا إسبانيا في علاقتها الخارجية تجاه المغرب خلال السنة الجارية. فالأماكن والصور والعبارات في اللقاءات الرسمية والدبلوماسية تكون مقيّدة بالبروتوكول، وكل تفصيل أو تفضيل يدلّ على شيء ما.

أتحدث هنا عن الصورة الجماعية التذكارية لافتتاح مؤتمر السفيرات والسفراء، الذي نظمته وزارة الشؤون الخارجية والاتحاد الأوروبي والتعاون الإسبانية، والمنعقد يومي 8 و9 يناير 2026 في العاصمة مدريد. في الصورة يظهر رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، في الوسط، وعلى جانبه الأيسر تقف السفيرة الإسبانية في الولايات المتحدة الأمريكية، أنخيليس مورينو باو، متبوعة بالسفير الإسباني في المغرب، إنريكي أوخيدا بيلا، ثاني أهم سفير من حيث أهمية البلد الذي يشتغل فيه.

وإذا أضفنا إلى الصورة ما جاء في خطابات بيدرو سانشيز والعاهل الإسباني فيليبي السادس، ووزيرة الدفاع الإسبانية مارغاريتا روبليس، في المناسبة نفسها، تكتمل الصورة: المغرب يكتسي أهمية استراتيجية بالنسبة لإسبانيا سنة 2026.

الصورة تزكّي الفرضية التي يتضمنها كتاب السفير الإسباني السابق في المغرب وأول رئيس لمركز الاستخبارات الإسباني، خورخي ديثكايار، المعنون بـ«حياة بين الدبلوماسيين والجواسيس» (2015)، والذي أكد فيه أنه بالنسبة لإسبانيا «أهم سفارة هي واشنطن، لكن الأكثر حساسية هي الرباط»، وهي عبارة منسوبة إلى فيليبي غونثاليث، أوردها الدبلوماسي مؤكداً أنه تمكّن من التحقق من صحتها. ترجمة العنوان (Valió la pena: Una vida entre diplomáticos y espías) إلى العربية هي اجتهاد شخصي. حذفت عبارة «تستحق» valió la pena، لأن الجزء الثاني من العنوان، عربياً، يعبّر أكثر عن روح الكتاب.

القولة المنسوبة إلى شيخ الاشتراكيين الأوروبيين فيليبي غونثاليث، رئيس الحكومة الإسبانية ما بين 1982 و1996، يبدو أنها تحتاج إلى قراءة أو تطوير بسيط في السياق الدولي والجيوسياسي الحالي، خاصة في ظل توتر العلاقات الشخصية والثنائية بين رئيس الحكومة الإسبانية والرئيس الأمريكي. وعليه يمكن أن نقول – عذراً فيليبي غونثاليث – إن السفارة التي تكتسي اليوم أكبر أهمية بالنسبة لإسبانيا هي تلك الموجودة في الرباط، بينما الأكثر حساسية هي تلك القابعة في واشنطن.

طبعاً، الأدوار تتغير، والعلاقات الدبلوماسية والنفوذ وغيرها من المصالح تتغير. ما يجمع المغرب وإسبانيا اليوم هو أكثر بكثير من القليل جداً الذي قد يكون مصدر خلاف. بعد دعم إسبانيا لمقترح الحكم الذاتي منذ أبريل 2022، أصبحت كل الأمور قابلة للنقاش في إطار الحوار والتفاهم والتشاور. لا أقول هنا إن ما يُعرف عند أهل الاختصاص بالأزمات الدورية (crisis cíclicas) قد ولّى وانتهى، بل لا تزال بعض أسبابها قائمة، لكنها قليلة ومتحكَّم فيها ويسهل طيّها. هذه الأزمات قد تستغرق وقتاً أطول لتظهر، وقد تختفي بسرعة. إنها الواقعية الجيوسياسية. وهي الواقعية التي تأخذها المعارضة الإسبانية بعين الاعتبار وهي تستعد للدخول إلى قصر المونكلوا على وقع وظهر فضائح الفساد المالي والتحرش التي أربكت الاشتراكيين والتحالف الحكومي، إلا إذا كان لسانشيز مفاجأة تُطبخ على نار هادئة، كما حدث في يوليوز 2023. منذ يونيو 2018 علمتنا التجربة أن بيدرو له «سبع أرواح».

ما جاء في الخطاب الافتتاحي لبيدرو سانشيز لا يقل أهمية عن الصورة التذكارية. رئيس الحكومة الإسبانية دعا الاتحاد الأوروبي إلى التعامل مع جنوب أوروبا ومنحه الأهمية نفسها التي يوليها للجبهة الشرقية الأوروبية، بما يسمح بتوجيه رسالة إلى العالم مفادها أن أوروبا قادرة على إقامة جوار سلمي وآمن ومستقر، يقوم على الازدهار المشترك، مع «جيران يُعدّون في غاية الأهمية لبلدنا، مثل المغرب، والسنغال، وكذلك موريتانيا».

«ولهذا نقترح أن تعمل المفوضية الأوروبية خلال الأشهر المقبلة على تطوير شراكات استراتيجية معزَّزة مع هذه الدول الثلاث. وسيشكّل ذلك أيضاً إحدى أولويات السياسة الخارجية الأوروبية وسياسة الجوار الجنوبية للاتحاد الأوروبي خلال سنة 2026. وكما ندعم أوكرانيا، أعتقد كذلك أننا قادرون على إثبات أن علاقات الجوار يمكن أن تُبنى على أسس التفاهم والحوار والاحترام والازدهار المشترك مع جيراننا في الجنوب. وأرى أن هذا التوجه يكتسي اليوم أهمية أكبر من أي وقت مضى، في ظل هذا السياق الجيوسياسي بالغ التعقيد الذي نعيشه»، انتهى كلام بيدرو سانشيز.

من يقرأ جيداً كلام سانشيز سيكتشف أنه تجاهل الجزائر، رغم أنها فاعل على الورق في شمال إفريقيا. سانشيز ركّز على محور مدريد والرباط ونواكشوط والسنغال، وهو المحور نفسه الذي تنص عليه وتدعمه الاستراتيجية الخارجية الإسبانية تجاه إفريقيا (2025-2028). كل المؤشرات تؤكد أن الجزائر تحوّلت إلى مصدر قلق بالنسبة لإسبانيا، خاصة في ما يخص قضية الهجرة غير النظامية. فجميع مسالك الهجرة غير النظامية بحراً نحو إسبانيا تراجعت سنة 2025، باستثناء طريق الجزائر – جزر البليار. فقد وصل 7.321 مهاجراً سنة 2025 عبر الطريق الجزائرية إلى إسبانيا، مقابل 5.882 سنة 2024، بزيادة 1.439 مهاجراً، أي بنسبة 24,5 في المائة. كما ارتفع عدد القوارب من 349 إلى 401، أي بزيادة 52 قارباً، وبنسبة 14,9 في المائة.

في المقابل، أشار سانشيز عند حديثه عن المغرب وموريتانيا والسنغال إلى أن إسبانيا سجلت سنة 2025 انخفاضاً بنسبة 42% في أعداد المهاجرين غير النظاميين مقارنة بسنة 2024، مذكّراً بأن الهجرة غير النظامية لا تمثل سوى 6% فقط من إجمالي تدفقات الهجرة.

كما شدد سانشيز على أن الهجرة بشكل عام أسهمت بـ80% من النمو الاقتصادي الذي سجلته إسبانيا خلال السنوات الست الأخيرة، كما توفّر 10% من مداخيل الضمان الاجتماعي، مقابل 1% فقط من حجم الإنفاق.

وهنا يبرز الدور المحوري للمغاربة، الذين ارتفعت أعدادهم في الضمان الاجتماعي الإسباني بنحو 28 ألف عامل خلال السنة الجارية، معزّزين موقعهم كأكبر جالية عاملة أجنبية تساهم في صناديق الحماية الاجتماعية والمعاشات، بإجمالي يفوق 370 ألف منخرط. هذه الأرقام لا تعكس فقط مساهمة اقتصادية مباشرة، بل تؤكد أيضاً عمق الترابط البنيوي بين الاقتصاد الإسباني واليد العاملة المغربية في قطاعات حيوية لا يمكن الاستغناء عنها. يعيش في إسبانيا نحو مليون مغربي، من بينهم إبراهيم دياز ولامين جمال والمغني المتمرّد مراد، وغيرهم.

والشيء نفسه يمكن أن يقال عن الشق الاقتصادي والتجاري. إذ بلغ حجم المبادلات التجارية بين إسبانيا والمغرب نحو 18.984,7 ملايين يورو خلال الأشهر العشرة الأولى من سنة 2025، مؤكداً مكانة المغرب كأول شريك تجاري لإسبانيا في إفريقيا وأحد الأعمدة الأساسية للعلاقة الاقتصادية الأورو-متوسطية. وفي الفترة الممتدة من يناير إلى أكتوبر 2025، بلغت الصادرات الإسبانية نحو المغرب 10.253,1 ملايين يورو، أي ما يعادل 3,2 في المائة من إجمالي الصادرات الإسبانية، غير أن هذه القيمة تعكس تراجعاً سنوياً بنسبة 5,4 في المائة، في سياق يتسم بتباطؤ بعض التدفقات التجارية وإعادة ضبط في عدد من القطاعات الصناعية والطاقية.

وفي الاتجاه المعاكس، وصلت الواردات الإسبانية القادمة من المغرب إلى 8.731,6 ملايين يورو، وهو ما يمثل 2,4 في المائة من مجموع واردات إسبانيا من الخارج، مسجلة نمواً سنوياً بنسبة 6,2 في المائة، ما يؤكد الدينامية المتزايدة للعرض المغربي داخل السوق الإسبانية، لا سيما في قطاعات صناعة السيارات، والصناعات الفلاحية-الغذائية، والنسيج، والمكوّنات الصناعية.

الصورة وكلام سانشيز يتجسدان أيضاً في خطاب الملك الإسباني فيليبي السادس، يوم الجمعة المنصرم، في حفل اختتام مؤتمر السفراء، حيث أكد العمق المتوسطي لإسبانيا، وشدد على ما سماه «رعاية العلاقات الثنائية، ولا سيما مع بلدان محيطنا الإقليمي». ملك إسبانيا، وإن لم يسمِّ هذه الدول، فإنه يتحدث بشكل غير مباشر عن المغرب والبرتغال وفرنسا. سانشيز هو من يؤشر على خطابات الملك قبل خروجها للعلن.

وهو الأمر نفسه الذي ورد في كلام وزيرة الدفاع الإسبانية، مارغاريتا روبليس، حين ألمحت إلى أن الأمن القومي الإسباني يبدأ من عمقها الإفريقي. روبليس شددت بشكل واضح على أن إسبانيا منخرطة بشكل مباشر في هذه المنطقة الاستراتيجية، قائلة إن البلاد تتوفر «على حضور لأجهزة الاستخبارات في أماكن مثل الساحل، ولا يمكننا أن نغفل عن المنطقة». إذن، إسبانيا تدرك حجم ودور المغرب في الحفاظ على الاستقرار في المنطقة، انطلاقاً من إدراكها لحجم التحديات والتهديدات في منطقة الساحل. وعليه، فإن أي كيان وهمي في المنطقة قد يتحول إلى مصدر تهديد ومنصة لروسيا وإيران وغيرهما من الدول التي أصبح لها نفوذ في السنوات الأخيرة بإفريقيا، وهو ما تدركه، أيضا، في الضفة الأخرى للأطلسي، إدارة ترامب جيداً.

كل هذه المعطيات السالفة الذكر تُظهر بشكل جلي أن الدولة الإسبانية أصبحت تدرك اليوم، أكثر من أي وقت مضى، أن المغرب يشكل عمقها الاستراتيجي وضامن أمنها القومي، وأن أي مساس بأمن ووحدة التراب المغربي يهدد إسبانيا أيضاً. وهذا ما أكده خورخي ديثكايار، سفير إسبانيا سابقاً في المغرب والولايات المتحدة الأمريكية ودولة الفاتيكان، وأول مدير لمكتب الاستخبارات الإسبانية عند تأسيسه قبل أزيد من عقدين. مسؤول ودبلوماسي إسباني سابق، كلما التقينا كان يردد: «أحب المغرب؛ راحة المغرب من راحتنا، والعكس صحيح».

في مقال رأي نشرته صحيفة البيريوديكو الكتالونية El Periódico بتاريخ 16 نونبر 2025، أقر خورخي ديثكايار، رغم معارضته للحكومة اليسارية الإسبانية وانتقاداته المتواصلة لسانشيز، بأن «الحكم الذاتي هو الأساس الأكثر واقعية، لأنه في منطق الواقعية السياسية (Realpolitik) لا يوجد بديل آخر، ولهذا يحظى بدعم المجتمع الدولي». وتابع كبير الدبلوماسيين الإسبان قائلاً: «ومن باب الانسجام، ينبغي على الحكومة الإسبانية أن تعمل مع المغرب حتى يكون الحكم الذاتي حقيقياً وفعّالاً، فلدينا خبرة واسعة في هذا المجال، وأن تعمل في الوقت نفسه مع جبهة البوليساريو لإقناعها بقبوله».

الموقف الإسباني يعكس الواقعية السياسية والواقعية الجيوسياسية.

————————————

(*) صحافي وباحث في العلاقات المغربية الإسبانية

التصنيف : اسبانيا المغرب تحاليل