نشر الصحافي الإسباني خافيير فالينثويلا مقال رأي لاذعاً في صحيفة elDiario.es هاجم فيه بقوة ما اعتبره عودة صريحة للإمبريالية الأميركية في عهد دونالد ترامب، منتقداً في الوقت نفسه تواطؤ أو سذاجة جزء من النخب السياسية والإعلامية الأوروبية والإسبانية أمام هذا التحول الخطير في النظام الدولي.
ويرى فالينثويلا أن ما جرى في فنزويلا لا يمكن قراءته كحدث معزول، بل كإعلان عن منطق القوة المجردة، حيث تخلى ترامب، بحسب الكاتب، عن كل الذرائع التقليدية التي كانت الولايات المتحدة توظفها لتبرير تدخلاتها العسكرية خارج حدودها، من ديمقراطية وحقوق إنسان وأمن دولي، ليقول الأمور بوضوح غير مسبوق: الهدف هو السيطرة على الثروات، وفي مقدمتها النفط. بهذا السلوك، يكتب فالينثويلا، نُزِع القناع عن «الصديق الأميركي»، وعاد العم سام إلى صورته الإمبراطورية العارية.
ويخصص المقال حيزاً مهماً لانتقاد ردود فعل بعض أوساط اليمين الإسباني، التي سارعت إلى الاحتفال بما اعتبرته «انتصاراً للديمقراطية» في فنزويلا، قبل أن تتضح معالم الموقف الأميركي الحقيقي. ويشير الكاتب إلى أن هذه المواقف كشفت ارتباكاً سياسياً وأخلاقياً، خصوصاً بعد أن أوضح ترامب بنفسه أن الحسابات لا علاقة لها بتغيير ديمقراطي أو انتقال للسلطة، بل بإدارة مباشرة للمصالح الأميركية، حتى لو اقتضى الأمر الإبقاء على شخصيات من النظام القائم طالما يخدم ذلك مصلحة واشنطن.
وفي هذا السياق، يوجه فالينثويلا نقداً مباشراً لرئيسة حكومة إقليم مدريد إيزابيل دياز أيوسو، محذراً من الانسياق وراء ردود الفعل السريعة على شبكات التواصل الاجتماعي، ومعتبراً أن التسرع في تبني سرديات سياسية قبل اتضاح الوقائع يعكس سطحية في إدارة الشأن العام. ويستحضر الكاتب مفهوم «انتظر وانظر» بوصفه سلوكاً سياسياً غائباً في زمن التغريدات والاستعراض الإعلامي.
ويتجاوز المقال الحالة الفنزويلية ليؤكد أن ما يحدث يمثل عودة كاملة، ومن دون أي تمويه، إلى عقيدة مونرو، التي تعتبر أميركا اللاتينية مجال نفوذ حصري للولايات المتحدة. ويذكّر فالينثويلا بأن أول ضحايا هذه العقيدة كانت إسبانيا نفسها سنة 1898، عندما فقدت كوبا وبورتوريكو، محذراً من أن دولاً أخرى في المنطقة، مثل كوبا وكولومبيا والمكسيك، قد تجد نفسها أمام ضغوط أو تدخلات مماثلة في المرحلة المقبلة.
كما يعلن الكاتب، بنبرة حادة، نهاية النظام الدولي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية، قائلاً إن القانون الدولي، والأمم المتحدة، والتعددية، والحوار، لم تعد سوى شعارات فارغة في عالم تحكمه «شريعة الأقوى». ويقارن وفاء ترامب بما يقوله ويفعله بما يعتبره نفاقاً سياسياً لدى نخب غربية أخرى، ليصل إلى تشبيه صادم يستحضر منطق الغزو المباشر في أوروبا ما بين الحربين.
ولا يفلت الاتحاد الأوروبي من سهام النقد، إذ يصوره فالينثويلا ككيان فوجئ بالنظام العالمي الجديد وهو عاجز، بعد أن فشل في بناء استقلال عسكري واقتصادي وتكنولوجي حقيقي، واكتفى بالارتهان للولايات المتحدة، من دون صياغة علاقات استراتيجية متوازنة مع قوى دولية كبرى أخرى.
في المقابل، يثمن الكاتب موقف إسبانيا، التي عبّرت عن رفضها لما جرى في فنزويلا إلى جانب عدد من الدول الديمقراطية في أميركا اللاتينية، معتبراً أن مدريد، رغم محدودية وزنها الدولي، حاولت الحفاظ على حد أدنى من الاستقلالية والكرامة السياسية، كما فعلت سابقاً في مواقف أخرى مثيرة للجدل على الساحة الدولية، مثل القضية الفلسطينية.
ويختم فالينثويلا مقاله بالتحذير من وجود «طابور خامس» للترامبية داخل إسبانيا، يتمثل في أصوات يمينية متطرفة تروّج للتدخل الأميركي وتحتفي بالقوة العسكرية، معتبراً أن هؤلاء امتداد لتقاليد تاريخية من «الوطنية الزائفة» التي رحبت دائماً بالقوى الخارجية باسم المصالح أو الأيديولوجيا. بهذه الخلاصة، يقدم المقال قراءة نقدية حادة لمرحلة دولية جديدة، عنوانها سقوط الأقنعة وعودة منطق الإمبراطوريات.