20 يونيو 2026 / 04:25

بيت الصحافة

المعضلة الفنزويلية.. ممنوع على العاطفيين

مارس 30 - 5 يناير 2026

توفيق سليماني*

«الشرّ زائل، أمّا الحقيقة والعدالة فباقيتان على الدوام»، هي مقولة خالدة في فنزويلا كتبها الرئيس الراحل والكاتب العالمي الفنزويلي، رومولو غاييغوس، في روايته الخالدة «السيدة باربارا» (1929).

كان أول رئيس يُنتخب بالإجماع من قبل الفنزويليين سنة 1947، وحكم شهورًا قليلة، ما بين فبراير ونونبر 1948، قبل أن ينقلب عليه العسكر.

هناك بدأت «المعضلة الفنزويلية»، cuando se jodió Venezuela، عذرًا يا ماريو بارغاس يوسا.

مرت عقود، ووصل العسكري هوغو تشافيز إلى الحكم سنة 1999، بعد الفوز في انتخابات 1998 ديمقراطيًا، لكن قطار التشافيزية خرج عن السكة في المهد، رغم بعض الأعمال الخيرية والإحسانية، أو لنقل الشعبوية، التي جعلته يكسب قلوب ملايين الفنزويليين.

ماتت روح التشافيزية قبل أن يُدفن تشافيز سنة 2013. صعدت التشافيزية إلى حافلة مهترئة يقودها السائق نيكولاس مادورو، رجل وجد نفسه فجأة في الحكم، فأوغل في السلطوية، وحاول زعزعة استقرار وأمن دول بدعم الانفصال وأشياء أخرى للبقاء في الحكم، وتضليل الرأي العام تحت ذريعة محاربة الإمبريالية ودعم تقرير مصير الشعوب. كلها شعارات.

«الشرّ زائل، أمّا الحقيقة والعدالة فباقيتان على الدوام»، يقول الرئيس السابق رومولو غاييغوس. فعلًا، شرّ النظام التشافيزي سيزول مهما طال الأمد، ومهما حاول الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، الذي خرج علينا ليؤكد أن الهدف كان هو اعتقال نيكولاس مادورو وليس إسقاط النظام.

لم تطل فرحة الكثيرين. ما قام به ترامب هو اعتقال الرئيس وتعويضه بنائبته ووزيرة النفط، ديليسي رودريغيز، التي تُعتبر اليد اليمنى للرئيس المعتقل مادورو. إنه النفط يا سادة. سقط الرئيس، ولكن النفط ثبّت النظام. بل أكثر من ذلك، لا يزال خورخي رودريغيز، رئيسا للجمعية العامة التشافيزية، وشقيق الرئيسة الحالية المؤقتة بقوة القانون والدستور وترامب.

فلاديمير بادرينو، قائد الجيش، لم يسقط. ديوسدادو كابيو لا يزال يشغل منصب وزير الداخلية. نواة نظام تشافيز لم تتزحزح من مكانها، بل تم تثبيتها وتعزيز مكانتها؛ في المقابل، هُمِّشت المعارضة، بل أكثر من ذلك، تم التخلي عن الرئيس المنتخب الذي كانت أمريكا تقول لنا قبل أيام إنه الرئيس الشرعي؛ أقصد إدموندو غونزاليس. كما تخلى ترامب أيضًا عن زعيمة المعارضة ماريا كورينا ماتشادو التي صنعتها أمريكا. ترامب لن يغفر لها أنها سبقته لنيل جائزة نوبل.

هل انتهت اللعبة؟ لم تنتهِ. الفنزويليون عليهم اليوم أن يختاروا بين الشرّ الأكبر (الاستعمار الجديد) والشرّ الأصغر (نظام مريض).

الولايات المتحدة الأمريكية، بقيادة ترامب، في وثيقة «استراتيجية الأمن القومي» التي نُشرت قبل أسابيع، كانت قد كتبت السيناريو الذي اعتُقل به مادورو، وما باغت وفاجأ العالم هو الإخراج. من حسنات ترامب أنه صادق مع نفسه؛ إذ قال إنه تابع العملية كما لو أنه يشاهد فيلمًا بوليسيًا. العملية أُريد لها أن تكون بوليسية وليس عسكرية، تجنبًا للعودة إلى غرفة «فار» الكونغرس أو مجلس الأمن. ترامب قرر أن يستأصل ورمًا ويترك أورامًا في الجسد الفنزويلي المنهك. هناك أعداء قد يتحولون إلى أوراق مربحة، وحتى إلى «جوكر».

التدخل الترامبي قد تكون له نتائج عكسية على المدى المتوسط والبعيد، إذ يعيد إحياء النزعة والحساسية المفرطة لدى أغلبية شعوب أمريكا اللاتينية تجاه الولايات المتحدة الأمريكية. الحكام شيء آخر. العملية الترامبية قد تكون أسعدت، استراتيجيًا، القوى السياسية والأيديولوجية اليسارية واليسارية الجذرية والشيوعية، لأنها منحتها جرعة أوكسجين خطابية بعد تراجعها وانهزامها في الكثير من الدول خلال السنوات الأخيرة. الآن سيبدأ التركيز على خطاب وسردية عودة الإمبريالية الأمريكية، وأن المعركة وجودية ومصيرية، وليست فقط مسألة ديمقراطية. على المدى المتوسط قد نشهد انتعاشة لليسار الجذري والاشتراكية والشيوعية في أمريكا اللاتينية، بفضل «هدية» ترامب.

كانت حافلة التشافيزية قريبة من الانقلاب، لكن يدًا خفية من الداخل فتحت الأبواب قبل أن يُعتقل السائق مادورو. من فتح الأبواب؟ من كان يريد إنقاذ الحافلة وصيانتها واختيار سائقة بدل سائق؟ ما الذي تغير؟

نحمد الله أن لدينا دولة عاقلة وحكيمة تفكر بعقل استراتيجي وليس بالعاطفة. العالم الافتراضي يبقى عالمًا افتراضيًا، أو بصيغة مدرب المنتخب الوطني وليد الركراكي: «الضجيج يبقى مجرد ضجيج». أتمنى أن تكون 95 في المئة من الآراء المعبر عنها، عاطفيًا، موفقة؛ لا أعتقد. من فتح الأبواب المغلقة؟ ذكاء القارئ.

—————————

* صحافي وباحث مغربي متخصص في الشأن الأمريكولاتيني

التصنيف : أمريكا اللاتينية تحاليل