لم يكن سقوط الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو حدثاً مفاجئاً، بل جاء تتويجاً لتصعيد تدريجي في التوترات السياسية والدبلوماسية بين الولايات المتحدة وفنزويلا، انتهى فجر اليوم 3 يناير 2026 بقصفٍ استهدف العاصمة كراكاس، وبإعلان اعتقاله ونقله إلى خارج البلاد.
على مدى أشهر، كثّفت واشنطن الحصار الدبلوماسي على حكومة كراكاس، مشككةً علناً في شرعية السلطة التنفيذية الفنزويلية، ومشددةً لهجتها السياسية. وقد تُرجم هذا التباعد إلى عزلة متزايدة للنظام التشافيزي، وإلى تحذيرات أكثر وضوحاً من جانب الإدارة الأمريكية، التي لم تعد تكتفي بالحديث عن الضغط الدولي، بل بدأت تلوّح بخيارات القوة.
وشهد التوتر قفزة نوعية ابتداءً من شهر سبتمبر، حين شرعت القوات الأمريكية في تنفيذ عمليات عسكرية ضد قوارب في البحر الكاريبي وشرق المحيط الهادئ. وقدّمت واشنطن هذه الهجمات على أنها إجراءات أمنية لمحاربة تهريب المخدرات، لكنها مثّلت بداية مرحلة عسكرية مستمرة من الصراع. وحتى نهاية الأسبوع الذي سبق الهجوم على الأراضي الفنزويلية، أقرت الإدارة الأمريكية نفسها بتنفيذ عشرات العمليات وسقوط العديد من القتلى، ما رفع مستوى المواجهة إلى نقطة اللاعودة.
ومع مرور الأسابيع، أصبحت اللغة السياسية أكثر مباشرة. فقد بدأ البيت الأبيض يهدد صراحةً بتدخل عسكري، بالتوازي مع تهيئة المناخين السياسي والإعلامي لعملية أوسع نطاقاً. وكانت الرسالة واضحة: الولايات المتحدة لم تعد تستبعد عملية مباشرة تستهدف صلب السلطة التشافيزية.
وتجسّد هذا السيناريو فجر اليوم السبت، حين شنت الولايات المتحدة «هجوماً واسع النطاق» على فنزويلا. وفي كراكاس، سُمع دوي سبعة انفجارات على الأقل خلال أقل من نصف ساعة، ما تسبب في مشاهد هلع، وخروج السكان إلى الشوارع، وتدفق شهادات مكثفة عبر وسائل التواصل الاجتماعي. ورغم عدم صدور حصيلة فورية للضحايا، فإن الأثر السياسي والرمزي للهجوم كان فورياً، بحسب وكالة الأنباء الأمريكية «أسوشييتد برس».
وبعد ساعات، أعلن رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب علناً أن نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس قد أُلقي القبض عليهما ونُقلا خارج فنزويلا عقب العملية الليلية. وجاء الإعلان عبر شبكات التواصل الاجتماعي، تاركاً أسئلة جوهرية بلا إجابة، من بينها الأساس القانوني للهجوم، ومصير المحتجزين، وما إذا كان الكونغرس الأمريكي قد جرى التشاور معه مسبقاً.
وأدى هذا التطور إلى فراغ فوري في السلطة داخل كراكاس. ووفقاً للتشريع الفنزويلي، يفترض أن تنتقل السلطة إلى نائبة الرئيس ديلسي رودريغيز، غير أنه لم يصدر في الساعات الأولى التي تلت الهجوم أي تأكيد رسمي لتوليها المنصب. وقد أصدرت رودريغيز بياناً، في وقت ظهرت فيه قيادات بارزة من التيار الحاكم في الشوارع وسط انتشار أمني كثيف، في محاولة لإظهار السيطرة وطمأنة الرأي العام.
ومع وجود الرئيس خارج البلاد، والعاصمة تحت وقع قصف حديث، وانتقال مؤسساتي لم تتضح معالمه بعد، دخلت فنزويلا مرحلة من عدم الاستقرار القصوى.
أما الرأي العام والمجتمع الدوليين فقد تابعا التطورات بقلق بالغ وترحيب حذر، مدركين أن سقوط مادورو لا يعيد فقط رسم المشهد السياسي الفنزويلي، بل يُخلّ أو يعيد رسم التوازن الجيوسياسي في عموم المنطقة ويفتح الباب أمام سيناريوهات غامضة حول ما سيأتي لاحقاً. سقوط مادورو قسم كذلك المعلقين.