19 يونيو 2026 / 22:51

بيت الصحافة

موسم جني وعصر “الذهب الأخضر”: وفرة لإنتاج وتحديات في الميدان

مارس 30 - 1 يناير 2026

يعرف موسم جني وطحن الزيتون بالمغرب خلال الموسم الفلاحي الحالي، الذي انطلق تقريباً منذ شهر نونبر، دينامية لافتة تميّزت بارتفاع واضح في الغلة وتحسن ملحوظ في حجم الإنتاج، وهو ما انعكس بشكل مباشر على أسعار زيت الزيتون في الأسواق المحلية، بعد سنوات من الشح وغلاء الأسعار التي أثقلت كاهل المستهلك المغربي.

فبعد أن كان سعر لتر زيت الزيتون خلال الفترة نفسها من الموسم الماضي يتراوح ما بين 90 و100 درهم، تراجع السعر هذا الموسم إلى ما بين 50 و60 درهماً، وقد يصل في أقصى الحالات إلى 65 درهماً للتر الواحد، وفق ما أكدته مصادر مهنية من جهة فاس-مكناس وإقليم خنيفرة، خاصة منطقتي مريرت ونواحي مكناس، في تصريحات متطابقة لصحيفة مارس 30.

أحد أصحاب ضيعات الزيتون بضواحي مدينة مكناس أوضح للجريدة أن أسعار زيت الزيتون لديه تتراوح ما بين 50 و60 درهماً للتر الواحد، مشيراً إلى أن جودة الزيت لم تتغير، وأن الفارق في السعر يعود أساساً إلى حجم الكمية المقتناة، إذ إن الأسر التي تشتري كميات كبيرة، قد تصل إلى 100 لتر مثلاً، تستفيد من سعر أقل، في حدود 50 درهماً للتر، وهو ما تلعب فيه أيضاً علاقات الجوار والصداقة دوراً اجتماعياً معروفاً في المجتمع المغربي. ويخلص المتحدث إلى أن زيت الزيتون أصبح هذا الموسم في متناول شريحة واسعة من المواطنين بعد سنوات من الغلاء.

غير أن صاحب الضيعة نفسه شدد على أن هذا السعر، رغم كونه إيجابياً للمستهلك، بالكاد يغطي تكاليف الجني والطحن والنقل والتنقل ومصاريف الإنتاج المختلفة، مبرزاً أن المواطنين عليهم أن يتفهموا هذا الواقع، خاصة بعد مواسم سابقة اتسمت بضعف الإنتاج وتراجع المردودية بسبب الجفاف.

من جهة أخرى، أكدت مصادر من مدينة مريرت، وبالضبط من حقول الزيتون بمنطقة “تنفتيت” على ضفاف وادي أم الربيع، أن الموسم الحالي يتميز بوفرة كبيرة في محصول الزيتون، غير أن هذه الوفرة تصطدم بإشكالات ميدانية حقيقية، على رأسها قلة اليد العاملة وقلة مطاحن الزيتون، إضافة إلى تأثير التساقطات المطرية المتزامنة مع فترة الجني، حيث يحتاج الزيتون عادة إلى ما يقارب أسبوعاً بعد الأمطار ليصبح جاهزاً للجني، ما يؤدي إلى تأخير العمليات.

المصادر ذاتها أفادت بأنها اضطرت إلى وضع محصول الزيتون في المطاحن وانتظار ما بين 10 و15 يوماً قبل الشروع في عملية الطحن، مشيرة إلى أن أكياس الزيتون لا تزال مكدسة في عدد من المطاحن في انتظار دورها، وهو ما يطرح إشكالات تتعلق بالجودة والتخزين وطول مدة الانتظار.

ورغم أن بإمكان بعض الفلاحين نقل محصولهم إلى مدن مجاورة كمدينة مكناس أو غيرها من أجل تسريع عملية الطحن، إلا أن تكلفة النقل تشكل عائقاً أساسياً. ويتراوح سعر قنطار من الزيتون ما بين 650 و700 درهم، ونقله إلى مدينة اخرى فيه تكلفة مادية إضافية، وهو ما ينعكس في النهاية على سعر اللتر الواحد من الزيت، الأمر الذي يدفع عدداً كبيراً من المواطنين إلى تفضيل الانتظار محلياً رغم التأخير.

إلى جانب ذلك، يشكل مشكل قلة اليد العاملة أحد أبرز التحديات التي تؤرق أصحاب الحقول، حيث ارتفع أجر العامل اليومي من حوالي 100 درهم في السنوات الماضية إلى أكثر من 150 درهماً حالياً، مع عزوف عدد من العمال عن العمل في ظروف البرد القارس التي تعرفها مناطق كمريرت وخنيفرة خلال هذه الفترة. كما ساهم انتقال عدد من العاملات والعمال الزراعيين للاشتغال في محاصيل أخرى، مثل الثوم أو منتجات فلاحية مختلفة في مناطق أزرو وبوفكران وأكوراي، في تفاقم خصاص اليد العاملة محلياً.

مصادر مهنية رجحت أن تعرف أسعار زيت الزيتون مزيداً من التراجع مع انتهاء جني آخر حبات الزيتون خلال الأسابيع المقبلة وتسريع وتيرة الطحن، حيث قد يصل سعر اللتر إلى حدود 40 درهماً قبل أن يعاود الارتفاع تدريجياً مع اقتراب نهاية الموسم.

وتتطابق هذه المعطيات مع ما أشارت إليه منابر إعلامية مغربية وأجنبية، من بينها وسائل إعلام إسبانية، التي تحدثت عن أزمة حقيقية في اليد العاملة تهدد موسم جني الزيتون في المغرب، ليس فقط في هذا القطاع، بل أيضاً في محاصيل فلاحية أخرى، في مفارقة لافتة تتمثل في هجرة اليد العاملة المغربية نحو الخارج، خصوصاً إسبانيا، في وقت يضطر فيه الفلاحون المغاربة إلى التفكير في الاستعانة بعمال من دول إفريقيا جنوب الصحراء. ومشكل قلة اليد العاملة أصبح مشكلا عالميا بعد أن اصبح القطاع لا يستهوي الشباب. فمثلا في المناطق المجاورة لمدينة الدار البيضاء يلاحظ ارتفاع سعر النعناع، وهو الأمر الذي أعزته مصادر مهنية في دردشة مع الجريدة إلى قلة اليد العاملة، وأبرزت المصادر ذاتها أن المزارعين لا يجدون من يشتغل في جني النعناع بنحو 200 درهم في اليوم.

وبين وفرة الإنتاج وتراجع الأسعار من جهة، وارتفاع التكاليف وندرة اليد العاملة وضغط البنية التحتية من جهة أخرى، يبرز موسم جني وطحن الزيتون بالمغرب هذا العام كمرآة دقيقة لتعقيدات القطاع الفلاحي، حيث تظل المعادلة بين مصلحة الفلاح واستقرار السوق وضمان قدرة المستهلك على الولوج إلى مادة أساسية مثل زيت الزيتون تحدياً قائماً ومتجدداً.

التصنيف : المغرب