19 يونيو 2026 / 22:30

بيت الصحافة

من سياسة «الابن الواحد» إلى أزمة ديموغرافية خانقة: ماذا تعلّمنا التجربة الصينية؟

مارس 30 - 1 يناير 2026

على مدى أكثر من ثلاثة عقود، خاضت الصين أحد أخطر وأوسع التجارب الاجتماعية في تاريخ البشرية حين فرضت سياسة «الابن الواحد» بهدف كبح الانفجار السكاني وضمان التنمية الاقتصادية. اليوم، وبعد أن أُسدل الستار رسمياً على تلك السياسة، تجد بكين نفسها في مواجهة نتائج عكسية عميقة: شيخوخة سريعة للمجتمع، تراجع حاد في عدد المواليد، واختلالات اجتماعية واقتصادية تهدد مستقبل البلاد كقوة عالمية. هذه التجربة، بما تحمله من دروس قاسية، تهم القارئ المغربي والعربي في لحظة تشهد فيها المنطقة تحولات ديموغرافية واجتماعية متسارعة.

بدأت سياسة «الابن الواحد» نهاية سبعينيات القرن الماضي، في سياق خوف القيادة الصينية من أن يؤدي النمو السكاني المتسارع إلى إجهاض مشروع التحديث. تحولت الشعارات إلى قوانين صارمة، مدعومة بالغرامات والضغوط الإدارية، حتى بات إنجاب طفل ثانٍ مخاطرة مكلفة، خصوصاً في المدن. خلال سنوات قليلة، تغيّرت بنية المجتمع الصيني، وانخفضت الخصوبة بشكل حاد، فيما نشأت أجيال كاملة من الأطفال الوحيدين الذين كبروا في بيئة من الرعاية المفرطة والطموحات العالية، بالتوازي مع صعود الصين الاقتصادي السريع.

لكن ما بدا نجاحاً في البداية، تحوّل تدريجياً إلى عبء ثقيل. فمع انقلاب الهرم السكاني، وازدياد عدد المسنين مقابل تقلص الفئة النشيطة اقتصادياً، أدركت الدولة أن القيود الديموغرافية باتت تهدد النمو نفسه الذي سعت لحمايته. لذلك، ألغت الصين السياسة سنة 2016، ثم سمحت لاحقاً بإنجاب طفلين، وبعدها ثلاثة أطفال، من دون أن ينعكس ذلك بارتفاع ملموس في عدد الولادات. فالمشكلة لم تعد قانونية، بل بنيوية وثقافية، وفق تقرير مطول لصحيفة “إلباييس” الإسبانية.

أحد أخطر آثار تلك المرحلة كان التمييز ضد الإناث، نتيجة تفضيل الذكور في مجتمع تقليدي، ما أدى إلى اختلال كبير في التوازن بين عدد الرجال والنساء. كما وثّقت منظمات حقوقية حالات إجهاض قسري، وتخلٍّ عن أطفال، وولادات غير مسجّلة، خاصة في الأرياف. في المقابل، أدت قلة عدد الأطفال داخل الأسرة إلى استثمار أكبر في تعليمهم، وخصوصاً البنات، وهو ما ساهم في بروز جيل من النساء الصينيات الأكثر تعليماً واستقلالية وحضوراً في سوق العمل، لكنه في الوقت نفسه أقل ميلاً للزواج والإنجاب.

اليوم، تواجه الصين واقعاً جديداً: معدلات خصوبة من بين الأدنى في العالم، ضغوط معيشية مرتفعة، توتر في سوق العمل، وتغير عميق في قيم الشباب تجاه الأسرة. ورغم إغراءات الدولة، من إعانات مالية وتسهيلات ضريبية وتحسين خدمات الأمومة، يرى خبراء أن عجلة التراجع الديموغرافي يصعب إيقافها، لأن المجتمعات الحديثة، حين تتغير أنماط عيشها وتطلعاتها، نادراً ما تعود إلى الوراء.

بالنسبة للقارئ المغربي والعربي، تحمل التجربة الصينية أكثر من رسالة. فهي تبرز خطورة السياسات الديموغرافية المتطرفة، سواء في اتجاه الحد من الإنجاب أو تشجيعه دون معالجة الأسباب الاجتماعية والاقتصادية العميقة. كما تطرح سؤال التوازن بين التنمية الاقتصادية، وحقوق الأفراد، واستقرار الأسرة. ففي عالم يتغير بسرعة، لم تعد الديموغرافيا مجرد أرقام، بل أصبحت عنصراً مركزياً في الأمن الاجتماعي والاقتصادي والسياسي للدول. المصير الصيني يبدو أنه ينتظر العديد من المجتمعات العربية والأفريقية والعالمية. يكفي العودة إلى نسبة الولادات في دول العالم لاكتشاف هذا التحدي الصامت.

الصين، التي تخشى اليوم أن «تشيخ قبل أن تغتني بما يكفي»، تقدم مثالاً صارخاً على أن التحكم القسري، أو الموجه على المستوى الخطاب أو الإشهارات او الدعاية، في حياة الناس قد يحقق أهدافاً قصيرة المدى، لكنه يخلّف ظلالاً طويلة قد تمتد لأجيال. وهو درس يستحق التأمل في العالم العربي، حيث تتقاطع تحديات الشباب، والهجرة، والبطالة، والتحولات القيمية، مع أسئلة المستقبل الديموغرافي.

التصنيف : دولي