اعتبر محمد صابر، رئيس منتدى الباحثين في السياسات العمومية، أن الفيضانات التي شهدتها مدينة آسفي تشكل نموذجا صارخا لاختلالات تدبير الأزمات، مؤكدا أن ما حدث يعكس فشلا واضحا في آليات التوقع والوقاية، وليس مجرد حادث عرضي مرتبط بعوامل طبيعية.
وأوضح صابر، في تصريح لـ”مارس 30”، أن الدول التي تواجه مخاطر مماثلة تعتمد على أجهزة متخصصة وأنظمة إنذار مبكر، غير أن الأداء الحكومي في حالة آسفي أبان عن ضعف كبير في تفعيل هذه الآليات، رغم توفر المغرب على منظومة حديثة لرصد الفيضانات، لم يتم استغلالها في الوقت المناسب.
وأضاف أن الإشكال لا يقتصر على حجم الخسائر المادية والبشرية، بل يتجلى أساسا في غياب إجراءات وقائية سبقت الكارثة، إلى جانب ضعف التواصل الرسمي خلال اللحظات الحرجة، ما زاد من حالة القلق وفقدان الثقة لدى المواطنين.
وأكد رئيس منتدى الباحثين في السياسات العمومية أن تدبير الأزمات لا يقاس بإعداد البرامج أو إطلاق الوعود، بل بسرعة اتخاذ القرار والجاهزية للتدخل الفوري، مشيرا إلى أن تدخل السلطات جاء بعد وقوع الفيضانات في إطار محاولة تدارك الوضع، بدل العمل على تفاديه منذ البداية.
كما سجل أن التفاعل الحكومي على المستوى الاجتماعي والتضامني لم يظهر إلا عقب التوجيهات الملكية، وهو ما يثير، بحسبه، تساؤلات حول قدرة الحكومة على المبادرة الذاتية وتحمل مسؤولياتها في مثل هذه الظروف.
ومن جهة أخرى، نبه صابر إلى اختلالات بنيوية مرتبطة بالتخطيط العمراني، معتبرا أن ضعف ضبط استخدام الأراضي وانتشار بنايات لا تراعي المخاطر البيئية ساهما بشكل مباشر في تفاقم آثار الفيضانات، داعيا إلى مراجعة السياسات العمومية في مجال التعمير.
وشدد المتحدث على أهمية تسريع إخراج منظومة قانونية شاملة للتأمين ضد الكوارث الطبيعية، بما يضمن حماية المواطنين وممتلكاتهم في ظل تزايد المخاطر المناخية.
وبخصوص وضعية البنية التحتية بمدينة آسفي، حمّل صابر الشركة المفوض لها تدبير قنوات الصرف الصحي جزءا كبيرا من المسؤولية، مشيرا إلى أعطاب تقنية وسوء تدبير حالا دون تصريف المياه بشكل طبيعي، ما أدى إلى غرق عدد من الأحياء، في مشاهد أظهرت مواطنين يلجؤون إلى وسائل بدائية لمواجهة السيول.
وأكد أن المسؤولية لا تتوقف عند الشركة المفوضة، بل تمتد إلى المنتخبين الذين أشرفوا على تفويض هذا القطاع، باعتبارهم مسؤولين سياسيا وأخلاقيا أمام الساكنة، داعيا إلى محاسبة فعلية وربط حقيقي للمسؤولية بالمحاسبة تفاديا لتكرار مآس مماثلة.
ويرى متابعون أن ضعف التواصل الحكومي خلال الأزمات يمثل أحد أبرز مظاهر الإخفاق، إذ غالبا ما يقتصر الخطاب الرسمي على بلاغات مقتضبة أو صمت مطول، ما يفسح المجال أمام الإشاعة ويقوض ثقة المواطنين في المؤسسات.
كما طالت الانتقادات بطء التفاعل مع الأزمات الاجتماعية والاقتصادية، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتفاقم البطالة واتساع الهشاشة، حيث اعتبر مهتمون بالشأن العام أن التدخلات الحكومية جاءت متأخرة ومحدودة الأثر، ما زاد من حدة الاحتقان الاجتماعي.
وفي ما يخص الكوارث الطبيعية، سجلت ملاحظات حول ضعف التنسيق بين المتدخلين وغياب الجاهزية الميدانية، إلى جانب الاعتماد على حلول ظرفية لا تتحرك في الغالب إلا بعد تدخل ملكي، وهو ما يطرح علامات استفهام حول قدرة الحكومة على التدبير الاستباقي للأزمات.