20 يونيو 2026 / 04:15

بيت الصحافة

هدية مغربية لسانتشيز في أعياد الميلاد

مارس 30 - 20 ديسمبر 2025

توفيق سليماني*

في لحظة سياسية خانقة تعيشها إسبانيا، يبدو فيها رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانتشيز محاصَراً من كل الجهات، بين ضغط اليمين واليمين المتطرف بقيادة ألبرتو نونيثيث فيخو وسانتياغو أباسكال، وفضائح تطال محيطه السياسي، وتصدعات داخل التحالف الحكومي، تأتي نهاية سنة 2025 محمّلة بمفارقة لافتة. فبينما تتكاثف الغيوم فوق المشهد الداخلي الإسباني، تصل من الجنوب، من المغرب تحديداً، عكس الأحكام المسبقة اليمينية المتطرفة، معطيات تمنح سانتشيز ما يشبه «هدية أعياد الميلاد» غير المعلنة، وجرعة أوكسجين يحتاجها بشدة قبل دخول سنة سياسية أكثر وعورة.

القمة المغربية الإسبانية التي انعقدت في بداية هذا الشهر لم تأتِ في توقيت عادي. من الواضح أن الحكومة الإسبانية كانت في حاجة ملحّة إليها أكثر من الرباط، سواء لكسر العزلة السياسية الداخلية أو لإعادة ترتيب أوراق السياسة الخارجية. هذه القمة سمحت لسانتشيز بالخروج مؤقتاً من دائرة الحصار، وأعادت إلى الواجهة رهانه القديم منذ وصوله إلى الحكم في يونيو 2018. سانتشيز اعتبر منذ اليوم الأول أن السياسة الخارجية رافعة للاستقرار الداخلي، إلى جانب الأرقام الماكرو-اقتصادية والاجتماعية التي طالما قدّمها كسلاحه الأقوى في مواجهة خصومه.

في هذا السياق، تكتسي أرقام سوق الشغل الإسباني دلالة سياسية تتجاوز بعدها التقني. ارتفاع عدد المنخرطين في الضمان الاجتماعي يُعدّ بمثابة خبر سعيد في نهاية سنة مثقلة بالتوترات، ويمثل رسالة واضحة للرأي العام مفادها أن الحكومة، رغم كل شيء، لا تزال قادرة على إنتاج مؤشرات إيجابية. وهنا يبرز الدور المحوري للمغاربة، الذين ارتفعت أعدادهم الضمان الاجتماعي الإسباني بنحو 28 ألف عامل خلال السنة الجارية، معززين موقعهم كأكبر جالية عاملة أجنبية في إسبانيا، بإجمالي يفوق 370 ألف منخرط. هذه الأرقام لا تعكس فقط مساهمة اقتصادية مباشرة، بل تؤكد أيضاً عمق الترابط البنيوي بين الاقتصاد الإسباني واليد العاملة المغربية، في قطاعات حيوية لا يمكن الاستغناء عنها.

لكن الهدية الأثقل سياسياً جاءت من ملف أكثر حساسية: الهجرة غير النظامية. الأرقام الرسمية لوزارة الداخلية الإسبانية، الممتدة من فاتح يناير إلى منتصف دجنبر 2025، تظهر تراجعاً لافتاً في عدد المهاجرين غير النظاميين الواصلين إلى إسبانيا بنسبة تفوق 40 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2024. هذا الانخفاض الكبير، سواء عبر المسارات البحرية أو في إجمالي التدفقات، لا يمكن فصله عن مستوى التعاون الوثيق بين الرباط ومدريد. فالمغرب، من خلال سياساته الميدانية وتنسيقه الأمني المستمر مع إسبانيا، لعب دوراً مركزياً في ضبط هذا الملف الشائك، الذي يشكّل أحد أهم أسلحة اليمين المتطرف في مهاجمة سانتشيز وحكومته.

هكذا، يدخل رئيس الحكومة الإسبانية عطلة أعياد الميلاد وهو يدرك أن العاصفة السياسية لم تنتهِ، وأن خصومه لن يمنحوه هدنة طويلة. لكنه، في المقابل، يحمل بين يديه معطيات تسمح له بالتقاط أنفاسه، والمتمثلة في أرقام التشغيل الإيجابية، والمساهمة المغربية الواضحة في سوق الشغل، والتراجع الملموس في الهجرة غير النظامية بفضل التعاون المغربي-الإسباني الذي صار اليوم حقيقة ميدانية لا يمكن إنكارها. إنها ليست مجرد أرقام، بل رسائل سياسية ثقيلة الوزن، تجعل من المغرب، في نهاية هذه السنة، شريكاً قدّم لسانتشيز واحدة من أهم «هدايا» أعياد الميلاد السياسية.

في مخيال اليمين واليمين المتطرف الإسباني ترسّخت، لاعتبارات سياسية واضحة، فكرةٌ مغلوطة مفادها أن كل السلبيات تأتي من الجنوب، غير أن هذه المعطيات تكشف زيف تلك المزاعم وتفكك سرديتها الدعائية. فالجنوب، حين يُحسَن التعامل معه، ليس مصدر تهديد، بل عامل استقرار وازدهار وأمن، وشريك أساسي في التوازن الاقتصادي والاجتماعي والسياسي للجارة الشمالية.

——————

* صحافي وباحث متخصص في الشأن المغربي الإسباني 

التصنيف : آراء اسبانيا