اختار وزير الخارجية السابق في جمهورية البيرو ميغيل أنخيل رودريغيز ماكّاي أن ينظر هذا العام إلى حقوق الإنسان من زاوية غير مألوفة لدى الرأي العام في أمريكا اللاتينية؛ إذ فضّل أن يكتب بمناسبة الذكرى الـ77 للإعلان العالمي لحقوق الإنسان عن مدينة الناظور الساحلية في شمال المملكة المغربية، المطلة على مياه البحر الأبيض المتوسط، حيث شارك قبل أيام في أشغال الندوة الدولية حول “ضرورة السلام – نحو عدالة انتقالية كونية”.
ويرى ماكّاي أن جزءاً واسعاً من مجتمعات أمريكا اللاتينية يعتقد، بشكل خاطئ، أن قيم حقوق الإنسان تنتمي حصراً إلى الغرب، دون إدراك أن جذوراً عميقة لهذه القيم قد وصلت تاريخياً إلى القارة الأمريكية عبر إسبانيا، بينما مصدرها الأقدم يعود في الأصل إلى الحضارات الأمازيغية وإلى العرب الذين نشروا ثقافتهم في شمال إفريقيا عبر قرون، منذ زمن النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
وقد جاءت مناقشات ندوة العدالة الانتقالية في منطقة الريف داخل إطار الدورة الرابعة عشرة من “مهرجان السينما والذاكرة المشتركة بالناظور”، وهو مهرجان يجمع سنوياً أكاديميين ومفكرين وفنانين من أوروبا وآسيا وأمريكا وإفريقيا، وكانت محاور هذا العام مركّزة على التجربة المغربية في العدالة الانتقالية.
وفي هذا السياق، استعرض ماكّاي إشارات ملك المغرب محمد السادس في خطاباته السابقة، حين قال: “بفضل قرار تطبيق العدالة الانتقالية، انفتح الفضاء العمومي على النقاش الاجتماعي حول مختلف الإصلاحات والقضايا الأساسية التي تهم الرأي العام الوطني”، وهو ما اعتبره المسؤول البيروفي السابق دليلاً على “رؤية ملكية تضع حقوق الإنسان كأساس لمشروع ديمقراطي متواصل”.
ولفت الوزير البيروفي الانتباه إلى المكانة المركزية التي منحها العاهل المغربي لهيئة الإنصاف والمصالحة، التي وصفها الملك بأنها “ركن أساسي في بناء الديمقراطية والانتقال الذي ساهم، على وجه الخصوص، في ترسيخ دولة القانون والمؤسسات وحماية الحريات في المغرب”. وبحسب ماكّاي، فإن هذه التجربة المغربية “تشكل نموذجاً استثنائياً في العالم العربي وإفريقيا”، وتستحق أن تكون “مرجعاً للدول التي لم تعرف بعد كيف تجعل العدالة الانتقالية سياسة دولة خالية من الإيديولوجيا”.
وفي المقابل، انتقد ماكّاي الواقع السياسي والقانوني في بلاده، البيرو، معتبراً أن “أمريكا اللاتينية، وخاصة البيرو، توقفت منذ أكثر من عقدين عن النظر إلى حقوق الإنسان خارج الاستقطابات الإيديولوجية”، محذراً من أن هذا الانحراف “يشكل تراجعاً خطيراً عن القيم الديمقراطية”.
وخلال مشاركته في الناظور، لم يلمس ماكّاي مجرد نقاش أكاديمي حول حقوق الإنسان، بل لاحظ، حسب تعبيره، “اهتماماً كبيراً في المغرب بترسيخ معادلة واضحة: حقوق الإنسان تساوي الديمقراطية”، معتبراً أن المملكة المغربية تقدم واحدة من أكثر التجارب العربية الإسلامية تسامحاً وارتباطاً بقيم الحرية والمساواة. كما روى الوزير البيروفي تجربة إنسانية عاشها في لقاء عائلي احتفالي بالناظور، حيث لاحظ “غياباً لأي قيود اجتماعية متخيلة من قبل الغرب عن المجتمعات العربية”، مؤكداً أنه وجد “احتراماً وفرحاً وتوازناً في العلاقات الإنسانية كما ينبغي أن تكون في كل مكان في العالم”.
وختم ماكّاي قراءته السياسية والثقافية بتأكيد أن المغرب اليوم “لا يكتفي بتأكيد قيم حقوق الإنسان داخل القاعات والمؤتمرات، بل يترجمها عبر الفن والذاكرة والعدالة، كما ظهر في مهرجان السينما بالناظور، الذي قدم نموذجاً إفريقيا يستحق التقدير”.