يرى الاقتصادي البريطاني البارز ميرفين كينغ، المحافظ السابق لبنك إنجلترا بين 2003 و2013، وأحد أهم المفكرين في قضايا السياسة النقدية وفلسفة اتخاذ القرار، وذلك بمناسبة صدور النسخة الإسبانية من كتابه «اللايقين الراديكالي» الذي شارك في تأليفه مع الاقتصادي جون كاي كينغ، البالغ من العمر 77 عاماً والمنحدر من بلدة تشيشام بوايس شمال غربي لندن؛ أن الخطر ليس في اللايقين يل في إدعاء المعرفة والحقيقة دون قول الحقيقة والصدق مع المواطنين.
يعيش ميرفين اليوم بين لندن وكانترّبري، متنقلاً بين القراءة والكتابة ورئاسة نادٍ للكريكيت وأوركسترا فلهارمونية، في صورة تعكس نموذج المثقف البريطاني المحافظ على حضوره الاجتماعي والفكري.
خلال حديثه مع صحيفة “الباييس” الإسبانية رفض كينغ الفكرة الشائعة التي تؤكد أن عالم اليوم أكثر غموضاً من الماضي، معتبراً أن “إغراء الادعاء بوجود مزيد من عدم اليقين الآن هو مجرد محاولة لتبرير صعوبة اتخاذ القرار”. وتوقف عند محطات تاريخية مثل أزمة الصواريخ الكوبية في الستينيات، مؤكداً أن العالم كان على حافة مواجهة نووية شاملة، بينما لا يشهد اليوم تهديداً من المستوى نفسه رغم وجود حرب على أطراف أوروبا.
لذلك، بالنسبة إليه، ليست المشكلة في حجم الغموض، بل في كيفية مواجهة صناع القرار لذلك الغموض. وقال في هذا السياق إن جائحة “كوفيد-19” أثبتت خطورة تصرّف الساسة وكأنهم يمتلكون كل الإجابات، بدلاً من الاعتراف بحدود المعرفة العلمية والسياسية.
وانتقد كينغ تصوّر العديد من الاقتصاديين لأنفسهم على أنهم قادرون على التنبؤ بالمستقبل، مشيراً إلى أن “الاقتصاد ليس آلة لتوقع الأحداث”، وأنّ حتى البنوك المركزية نفسها تعجز عن توقع أسعار الفائدة التي ستقررها بعد عامين.
ويرى أن التعامل مع الاقتصاد باعتباره معادلة رياضية ثابتة أمر خطير، لأن المشكلات الاقتصادية “فريدة” ولا يمكن حلها دائماً بنماذج حسابية جامدة. وبخصوص المعلومات والبيانات، يوضح أن امتلاكها لا يعني بالضرورة اتخاذ قرار صائب، لأن البيانات قد تساعد لكنها لا تكفي وحدها دون “حكم وتجربة وإدراك للمخاطر الفريدة في كل حالة”.
وعن الذكاء الاصطناعي، يعتبر كينغ أنه سيظل مساعداً للعقل البشري وليس بديلاً له، فالآلات قادرة على كشف الأورام بدقة أكبر من الأطباء أحياناً، لكنها تفتقر إلى القدرة على طرح الأسئلة التي قد تقود إلى تشخيص مختلف، وربما أعمق وأشمل. لذلك، تظل القدرة على التفكير الجانبي والقفز إلى استنتاجات غير متوقعة ملكة إنسانية لا تعوّضها أي تقنيات.
وفي الجانب السياسي، عبّر كينغ عن قلقه من عجز الديمقراطيات عن اتخاذ قرارات استراتيجية بعيدة المدى خوفاً من الخسارة الانتخابية، مقابل “باراديغمات” اخرى مثل نموذج الصين التي تتخذ قرارات طويلة الأمد دون اعتبار للرفض الشعبي. لكنه رفض المقارنة المباشرة، معتبراً أن الخيار الأفضل في الديمقراطيات ليس التخلي عن المشاركة الشعبية، بل “الصدق مع المواطنين”، موضحاً أن السياسيين يمكنهم الفوز بالانتخابات إذا شرحوا للناس أسباب القرارات الصعبة مثل رفع الضرائب لتخفيف العبء عن الأجيال المقبلة.
كما انتقد سياسات البنوك المركزية بعد الجائحة، معتبراً أنها قللت من خطورة التضخم وتأخرت في رفع أسعار الفائدة، داعياً إياها إلى الاعتراف بأخطائها بدل تقديم توقعات غير واقعية. واعتبر أن الأزمة المالية لعام 2008 تركت ندوباً سياسية واجتماعية عميقة، لأن المواطنين شاهدوا كيف تمت حماية المصارف بينما سُمح للعمال بخسارة وظائفهم دون حماية مماثلة، وهو ما ساهم في تفاقم فقدان الثقة بالنظام الاقتصادي وفتح الطريق لصعود التيارات الشعبوية.
في نهاية الحوار، شدد كينغ على أن الخطر الحقيقي على السياسة والاقتصاد ليس في اللايقين ذاته، بل في الادعاء بامتلاك المعرفة الكاملة. فالاعتراف بحدود الفهم، بالنسبة إليه، هو شرط أساسي لبناء سياسات عقلانية قادرة على مواجهة الأزمات المقبلة دون وهم أو خداع.