20 يونيو 2026 / 05:39

بيت الصحافة

خوان كارلوس يستعيد ذاكرة وذكرياته مع الملك الراحل الحسن الثاني

مارس 30 - 25 نوفمبر 2025

لازلت مذكرات الملك الإسباني السابق خوان كارلوس والصادرة في فرنسا تحت عنوان “المصالحة”، تثير شهية الصحافة والنقاش في الجارة الشمالية. الكتاب الذي أعدّته معه الكاتبة الفرنسية  لورانس ديبراي، يتطرق أيضا لأحد أكثر الروابط الشخصية تأثيراً في تاريخ المتوسط المعاصر: العلاقة المباشرة بين الملك الإسباني والملك المغربي الراحل الحسن الثاني، والد الملك محمد السادس. فالملك الإسباني لا يكتفي بوصف صداقة شخصية، بل يؤكد أيضاً على الأهمية الاستراتيجية التي أولتها الرباط ومدريد دائماً للمؤسسة الملكية كقناة تواصل في إدارة الملفات الثنائية الحساسة. ويعتمد هذا المقال على معلومات نشرتها صحيفة الفارو دي سبتة ووسائل إعلام إسبانية أخرى.

علاقة شخصية ضمنت عقوداً من الاستقرار

يروي خوان كارلوس أنه منذ اتصالاته الأولى بالحسن الثاني سنة 1975، في خضمّ أحداث المسيرة الخضراء، كان الملك المغربي هو مخاطبه المباشر. وقد حالت التنسيقات بين العاهلين دون حدوث أي تصعيد كبير في لحظات حرجة كانت فيها إسبانيا تمرّ بمرحلة انتقالية، فيما كان المغرب يستعيد أقاليمه الجنوبية.

ويعترف الملك الإسباني في الكتاب قائلاً: “علاقتي الخاصة مع الملك الحسن الثاني سمحت بحلّ العديد من الأزمات”. في الرباط، هذا الاعتراف ليس مفاجئاً؛ فالمؤسستان الملكيتان في البلدين، بحكم استمراريتهما التاريخية ورؤيتهما الاستراتيجية، كانتا دائماً قادرتين على الحفاظ على الجسور، حتى في الأوقات التي كانت فيها الحكومات والمؤسسات، خصوصاً في الجانب الإسباني، تزيد من حدة توتر العلاقات.

سبتة ومليلية: قضية تاريخية بلا تهويل من جانب المغرب

من أكثر المقاطع تداولاً في المذكرات ذلك المتعلق بسبتة ومليلية. إذ يتذكّر خوان كارلوس أن الحسن الثاني، المعروف بحذره السياسي، كان يقول دائماً: “على الجيل المقبل أن يحلّ هذه المسألة”. وهي جملة ليست جديدة على الخطاب المغربي الذي ينظر إلى المدينتين كملفّ تاريخي قائم لكنه غير مستعجل، حيث الزمن —لا النزاع— هو العامل الحاسم. فهناك ما هو أكثر إلحاحاً وأولوية.

اختار الحسن الثاني الصبر الاستراتيجي، مدركاً ثقل التاريخ، وأهمية الحفاظ على استقرار المنطقة. وتُثبت المذكرات، من منظور إسباني هذه المرة، أنّ السياسة المغربية لم تكن يوماً قائمة على التصعيد، بل على رؤية طويلة المدى.

الدبلوماسية الملكية: القناة التي لم تفشل قط

 

يعترف خوان كارلوس الأول بأنه كان في أكثر من مناسبة يلجأ إلى الاتصال المباشر بالحسن الثاني: “أحياناً كنت أتصل به شخصياً لمحاولة حلّ بعض المشاكل”.

هذا الأسلوب في التواصل —والذي يعكس جوهر الدبلوماسية المغربية القائمة على الكلمة والثقة الملكية— هو آلية فهمتها مدريد تدريجياً. ففي المغرب، تمثل الملكية ضمان استمرارية العمل الدبلوماسي، ومن خلال اعترافات خوان كارلوس يتضح أن حلّ الأزمات مع الرباط يمرّ دائماً عبر المؤسسة الملكية. فالحسن الثاني، ومن بعده الملك محمد السادس، يجسدان استمرارية دبلوماسية الدولة التي تعطي الأولوية للاستقرار والتعاون.

الزيارة الرسمية الأولى وتأثيرها في الرباط

 

يتناول الكتاب زيارة خوان كارلوس الأولى إلى المغرب سنة 1979، وهي محطة رمزية في العلاقات الثنائية. فقد عزّز لقاؤه بالعائلة الملكية المغربية الثقة المتبادلة وفتح مرحلة جديدة من التعاون في مجالات الأمن والاقتصاد وتدبير الحدود.

في الواقع، شكّلت تلك الزيارة اعترافاً من الملك الجديد لإسبانيا بالمركزية الإقليمية للمغرب وضرورة بناء علاقة قائمة على التنسيق والاحترام.

الحسن الثاني: ذكاء سياسي وقيادة إقليمية

 

يصف الملك الإسباني الحسن الثاني بأنه زعيم ذو ذكاء سياسي لافت، وكانا يتحادثان بالفرنسية بعيداً عن الطابع البروتوكولي. وتكشف الإشارة المؤثرة إلى آخر لقاء بينهما عام 1999، قبيل وفاة الملك الراحل، عمق الأثر الذي تركه الحسن الثاني على قادة عصره.

إرث لا يزال يؤثر في العلاقات الحالية

 

يخلص الكتاب إلى أن التوترات بين الحكومات والمؤسسات الإسبانية والمغربية لم تمسّ العلاقات الودية بين الملكين. وهي خلاصة تعكس طبيعة النموذج الذي يستمر إلى اليوم: الأزمات تُدار سياسياً، بينما التحالف الاستراتيجي يظل خيار دولة. وهو أيضاً رسالة واضحة إلى اليمين المتطرف في إسبانيا الذي لا يكف عن محاولة تسميم هذه العلاقة التاريخية.

صدور كتاب “المصالحة” يأتي في سياق جديد من التقارب بين المغرب وإسبانيا، بدأ منذ 2022 وتعزز اليوم عبر مجالات متعددة: الاقتصاد، الهجرة، الطاقة، والأمن. ويبقى أبرز عامل في هذا السياق الجديد دعم إسبانيا لمقترح الحكم الذاتي في الصحراء.

وتعود كلمات الحسن الثاني التي نقلها خوان كارلوس لتذكّر بأن قضية سبتة ومليلية ليست صراعاً وجوديا، بل ملفاً تاريخياً لا يُحلّ إلا بالحوار، وهو الحوار نفسه الذي ميّز علاقة الملكين لعقود، وما زال يمثل الطريق الأمثل لإدارة التحديات بين ضفتي البحر المتوسط.

التصنيف : اسبانيا