بقلم عبدالرحمان بلعياشي
محطة حافلات في بلدة نائية، يصعب تحديد موقعها في خريطة كوبا 1993. مسافرون من مختلف الأعمار من الجنسين ينتظرون وصول الحافلة للذهاب إما إلى سانتياگو أو إلى هاڤانا. حافلات قليلة ومهترئة، لا توجد فيها دائما مقاعد شاغرة. وهناك لائحة الانتظار، الكل ينتظر ويترقب دوره، قد يستغرق الإنتظار أياما أو أسابيع. وعندما وصلت أول حافلة بعد طول الإنتظار، ونزل من نزل، وطلع من طلع، وبينما كانت على وشك الانطلاق، تعطل محركها تماما وتم إلغاء الرحلة نهائيا. وتحولت المحطة بعدها إلى ما يشبه قاعة انتظار، انتظار ما قد يأتي أو لا يأتي. وفي انتظار گودو، انتظم الجميع ليرتبوا حياتهم داخل المحطة، فتم تقسيم الأدوار تلقائيا بين الرجال والنساء، وأصبح هذا يصلح أشياء تعطلت مثل برادة الماء، وحضرت تلك الأكل، وغيرها، فقرروا إصلاح الحافلة بأنفسهم، وتزيين فضاء المحطة بإعادة طليها، وبدؤوا بعد ذلك يتعرفون على بعضهم البعض، وكان لتقاربهم هذا أن نسجت علاقات بينهم، ورويت حكايات متعددة، ونسي الجميع السبب الذي أخرهم عن مآربهم وأغراضهم، حيث صعب عليهم في الأخير الفراق. كان هذا باختصار مضمون فيلم شاهدته منذ مدة في إحدى القاعات السينمائية الإسبانية، وأخرجه الكوبي خوان كارلوس طولبييا عام 2000، وعنوانه “لائحة الانتظار”. طبعا الدروس التي يمكن استخلاصها من الفيلم كثيرة وعلى جميع المستويات، خاصة على المستوى السياسي الذي يحيلنا على فترة الحكم الشيوعي بقيادة زعيمه الروحي فيديل كاسترو.
لكن الدرس الآخر الذي يثير الإنتباه أكثر في الفيلم، هو كيف جعل الركاب من كونهم مجرد رقم في لائحة الانتظار إلى فاعلين و مؤثرين حقيقيين، جعلوا من قاعة انتظارهم هذه، محطة مهمة مليئة بالمبادرات والاكتشافات والأحاسيس والعواطف والمواقف. كما أظهرت أن التضامن قيمة إنسانية نبيلة، لا تعطي فقط القوة للفرد داخل المجموعة، بل تظهر الحس النبيل الدفين في كل واحد منا رغم قساوة الظروف. غير أن الشريط المطول عرى أيضا عن ممارسات شاذة وسلوكيات غير مقبولة والتي تظهر في مثل هكذا المواقف، من قبيل الحسد والغيرة والحقد والمنافسة غير الشريفة والنزوع نحو الانتقام والخوف والتخويف والتهديد، وغيرها. لكن غالبيتها تزول بزوال أسبابها، وتبقى في الأحاسيس النبيلة.
الحياة برمتها عبارة عن قاعة انتظار كبيرة، حيث كل يوم نعيشه، ننتظر منه شيئا ونتوقع منه أشياء ونترقب منه أمورا كثيرة. ما يجعل من هذه القاعة معملا من التطلعات ومشتلا للأفكار والأمنيات، بعضها واقعية وتنتظر أن تستوفي شروط إنجازها وأسباب تحققها، والبعض الآخر وهمية ومثالية، وتعبر عن أقصى ما نطمح إليه ونحن واعون بصعوبة بلوغها. لكن لابد من أن نحلم بها. لأن الحلم في نهاية المطاف هو بداية كل الانجازات. لكن يجب أن نجعل من قاعة انتظارنا محطة تتقاطع فيها كل الطرقات، محطة منفتحة ومفتوحة على كل الواجهات والاحتمالات، يجب أن تكون مصدر إلهام ومبادرات، منبع الحركة والحياة والدينامية، عوض أن نجعل منها محطة قابعة في عمق بئر ضيق عميق ومظلم وبارد. محطة مسدودة ومنغلقة وقاتلة لأية روح مبادرة. اجعل من فراغ هذه القاعة موضوع امتلاء، مشروع امتلاء وتلبية كل الرغبات، بتوفير ظروفها وشروط إنجازها. يبدأ هذا باجتثات أسباب الركوض والجمود. إذ هي من تطعم وتبقي الفراغات على حالها، وتنسف جميع المبادرات، وتقضي من مهدها على أسباب وتجليات الخلق والإبداع والابتكار والتجديد والتجدد المطلوبة.
قاعة الإنتظار هذه، قد تشكل فرصة ثمينة ونادرة لتحقيق التوازن داخل الذات، باستحضار الإمكانات المتوفرة وامتنانها، واستحضار النواقص وعدم الأخذ بها. عندما يحصل التوازن الداخلي، سينعكس لا محالة على التوازن مع الآخر والمجتمع. فالانسجام مع الذات والمصالحة معها، بمصارحتها وتذكيرها بإمكاناتها واستحالة العمل بطاقة أكثر منها، تحقق الانسجام نفسه مع المجتمع، ما يساعد الاثنان على التعايش والتقدم. قاعة انتظار كبيرة من أجل الجلوس معها والاختلاء بها للإنصات إليها. الذات كلها أصوات ونحتاج إلى الابتعاد عن الكل وعن الجميع حتى نركز سماعنا على ما ينبعث منها من أصوات. أصوات تخرج من صمتها الدائم والمستمر والذي لا تتاح دائما الفرصة والوقت لسماعها والتقاط إشاراتها. لابد من هذه الوقفة والتوقف، لا بد من افتعاله، لأن متطلبات الحياة اليومية، التي لا نهاية ولا حصر لها، تنسينا في أنفسنا وذواتنا وتبني جدارا سميكا بيننا، وتحجب الرؤية وتزيل المرآة التي ستضعنا امام ذواتنا. لابد إذن من وقفات اضرارية ومنتظمة للتقييم والتفكير والتمييز والتصحيح والتقويم.
هذه الوقفة لابد منها إن نحن نرغب في انطلاقة مغايرة وفي إقلاع مختلف، لا بد منها للتخلص من التقوقع والروتين اليومي والملل، لا مناص منها لضخ دماء جديدة في الحياة، من أجل التغيير نحو الأفضل، من أجل اختبار خيارات جديدة والقيام بخطوات جديدة ومختلفة. من أجل القطيعة مع أخطاء الماضي وهفواته وتعثراته وأفكاره وعقده ومكبلاته. من أجل التحرر من كل ما كان يكبل ويعطل ويعقد الفكر والوعي والنظرة إلى الأمور والواقع. إنها المسافة مع الذات والآخر والواقع والأشياء اليومية. المسافة التي نحتاجها من حين لآخر عندما نحس بالجمود والركود والاحباط والفشل والعجز والملل والتكرار. عندما نحس أننا نبرح مكاننا ولا نتحرك، ولا نتقدم، ولا نتجدد.
قاعة انتظار تترك فيها الأصنام التي صنعتها بنفسك ويديك، تتحرر منها ومن الخوف الذي تحكمت به عن تصرفاتك وخطواتك واختياراتك. قاعة انتظار تترك فيها الخوف والشك والتردد والارتياب والتبعية، لكي تلبس ثوب التحرر والاستقلال والرغبة في القيادة والريادة. فتلبسك بعدها ثوب الشجاعة. وتتمكن من التمرد علي الاصنام وتتحرر منها، لتصير سيدا على حياتك، عوضا عن عبد لها. تتحكم في زمامها بدلا من أن تخضع لها. تتمرد على كل الأصنام وفي جميع تجلياتها، في الفكر والعقل والعقيدة وغيرها. وتسقط كل الأقنعة وتسترد الإرادة لصالح الذات وليس ضدها. هي أصنام تحيا وتتجدد كل يوم في المجتمعات وتعترض سبيل الجميع، تتربص بالجميع لتسقط ضحايا جدد، خاصة من ذوي النفوس الضعيفة والتكوين الهش، فتتبدى في ألبسة مختلفة تعتبر نقاط ضعفنا أو ضمن قوانين انتماء صممت خصيصا لإخضاع الانسان، وتحت مسميات كثيرة…