20 يونيو 2026 / 00:11

بيت الصحافة

الشيلي في مفترق الطرق

مارس 30 - 16 نوفمبر 2025

توفيق سليماني*

قبل شهر تقريبًا كانت أنظار ملايين المغاربة متوجهة إلى الشيلي، حيث فاز المنتخب الوطني لأقل من عشرين سنة بكأس العالم لكرة القدم، في أكبر مجد كروي يحققه المغرب. منذ ذلك التاريخ والشيلي، هذا البلد الواقع في أقصى أمريكا اللاتينية، يرتبط في المخيال المغربي بالنصر والمجد والفرح والسعادة. واليوم الأحد تتجه أنظار العالم كذلك إلى الشيلي، ليس بسبب نهائي عالمي، بل بسبب “نهائي” انتخابي وطني لاختيار الرئيس المقبل للبلد، وأعضاء الكونغرس ومجلس الشيوخ.

لن يكون المغرب استثناء، ولن نقول إنها مجرد انتخابات بعيدة لا تعنينا، ومن الحكمة متابعة ما يجري هناك، لأن بين الرباط وسانتياغو مصالح مشتركة وصداقة وتعاون اقتصادي وسياسي متنامٍ مع هذه القوة الاقتصادية الإقليمية في أمريكا اللاتينية. متابعة ما يجري في الشيلي لن تكون ترفًا بل ضرورة، باعتبار أن الأمر يتعلق ببلد صديق وشريك يوجد اليوم في مفترق طرق حقيقي، ويمرّ بتجربة، لنقل تحديًا استثنائيًا.

لم يسبق في تاريخ الشيلي أن يستدعى ما يزيد عن 15 مليون مواطن للتصويت في انتخابات واحدة؛ كان عدد المصوّتين في السابق مستقرًا تقريبًا في حدود ثمانية ملايين. منذ 2022 أصبح التصويت إجباريًا، وعلى كل راشد أن يتوجه إلى صناديق الاقتراع، وهو إجراء جديد زاد من ضبابية المشهد الانتخابي، ومنح الفئة المترددة واللامنتمية كلمة الحسم. هذه الكتلة، التي لا تنتمي لا إلى اليمين ولا إلى اليسار، هي التي ستحدد من سيتصدر النتائج ومن سيعبر إلى الجولة الثانية.

الحقيقة التي يمكن التأكيد عليها هي أن الشيلي لم تعد تصوّت في الوسط، بل في الهوامش، أو بالأحرى في الصناديق البعيدة عن الاعتدال. الأصوات تميل اليوم إلى المشاريع الموجودة في أقصى اليمين وأقصى اليسار. لم يعد المشهد شيليًا وسطيا كما عرفناه في زمن «ما بعد عودة الديمقراطية»، بل يميل إلى اليمين المتطرف وإلى اليسار الجذري، أو لنستعمل تعبيرًا أكثر تهذيبًا: يسار اليسار.

كل ترشيحات الوسط المعتدل، يمينا ويسارا، مهددة بالهزيمة أو بالتهميش. في هذه الانتخابات يمكن الحديث عن مشروعين رئيسيين متقابلين: مشروع اليمين المتطرف، مهما اختلفت التسميات، الذي يمثله كل من المرشح خوسيه أنطونيو كاست ريست، زعيم الحزب الجمهوري التشيلي (PRCh)، والمرشحة إيفلين ماتّيهي فورنيت من الاتحاد الديمقراطي المستقل (UDI)، والمرشح يوهانس كايسر بارنتس–فون هوهنهاجن، مؤسس الحزب الوطني الليبرتاري (PNL) ذي التوجه اليميني المتطرف الليبرتاري؛ وفي المقابل مشروع اليسار والاشتراكية التقدمية، الذي تتصدره الشيوعية جانيتّي خارا، من الحزب الشيوعي التشيلي (PCCh)، مرشحة تحالف «وحدة من أجل الشيلي».

هذا لا يعني غياب المرشحين الآخرين، لكن حضورهم يبدو أقل وزنًا في معادلة الاستقطاب الحاد. فهناك المرشح فرانكو باريسي فرنانديز من حزب الناس (PDG)، بحس شعبوي يميل إلى الوسط، والمرشح التقدمي ماركو أنطونيو إنريكيز–أومينامي غوموسيو، وهو مستقل يساري بخطاب حداثي، إضافة إلى المرشح الماركسي المتشدد إدواردو أنطونيو آرتيس بريتشيتّي، المستقل ذي التوجه اليساري الراديكالي، وأخيرًا هارولد ماين–نيكولز سيكول، المستقل الذي يقدم نفسه كخيار تكنوقراطي  معتدل. لكن، رغم هذا التنوع، تبدو المنافسة الحقيقية متمركزة بين جانيتّي خارا من جهة، وخوسيه أنطونيو كاست ومن ورائه عائلة اليمين المتشدد من جهة أخرى، فيما تتحول الترشيحات الأخرى إلى ما يشبه “ديكورًا” انتخابيًا يكمّل صورة التعددية أكثر مما يقرر مصير الرئاسة.

لا تتحدث آخر استطلاعات الرأي عن إمكانية فوز مرشح معين بالأغلبية في الجولة الأولى وتجنب عناء انتظار الجولة الثانية، بل ترجح عبور مرشحة اليسار والاشتراكية التقدمية جانيتّي خارا إلى جولة الثانية، يوم 14 دجنبر المقبل، إلى جانب أحد مرشحي اليمين المتطرف، وعلى رأسهم خوسيه أنطونيو كاست.

وتجدر الإشارة إلى أنه لأول مرة منذ ديكتاتورية أوغوستو بينوتشي، ومنذ عودة الديمقراطية سنة 1990، يجد الحزب الشيوعي التشيلي نفسه في موقع يمكّنه نظريًا من قيادة تحالف حكومي والوصول إلى رئاسة الجمهورية عبر صناديق الاقتراع؛ في السابق لم يكن يمكن لمرشح شيوعي أن يقترب من الأمتار الأخيرة للقصر الرئاسي في لا مونيدا. وفي الجهة المقابلة، قد يحدث أن يصبح، ولأول مرة منذ نهاية الحكم العسكري، واحد من أكبر المدافعين عن إرث بينوتشي رئيسًا للشيلي، إذا فاز خوسيه أنطونيو كاست أو نجح يوهانس كايسر في تجميع كتلة اليمين الراديكالي خلفه في المستقبل.

مع ذلك، علمتنا تجارب استطلاعات الرأي الحديثة في أمريكا اللاتينية (الإكوادور، بوليفيا، الأرجنتين) أن صناديق الاقتراع لا تحب أن تُلقَّن مسبقًا، وأنها قادرة على معاقبة خبراء استطلاعات الرأي قبل السياسيين. فاز الرئيس دانييل نوبوا في الإكوادور ضد التوقعات، وعاد حزب خافيير ميلاي في الأرجنتين ليفرض نفسه في الانتخابات التشريعية الأخيرة خلافًا لما بشّرت به الاستطلاعات، وفاز الرئيس المنتخب في بوليفيا رودريغو باث بيريرا في مفاجأة لم تكن في حسابات الكثيرين. ومع إلزامية التصويت في الشيلي وتزايد أعداد المترددين، لا يمكن الحديث عن حسم مسبق، وعلينا انتظار النتائج النهائية، خاصة وأن الناخب الشيلي أثبت في السنوات الأخيرة أنه قادر على تغيير رأيه في اللحظات الأخيرة. لكن هناك حقيقة تاريخيّة؛ منذ سنة 2006 يصوت التشيليون للمعارضة. هل سيصمدون اليوم أو سيواصلون منح الثقة للمرشحة الحكومية الرسمية، خارا، خليفة الرئيس الحالي، غابرييل بوريس؟

استطلاعات «المركز التشيلي للدراسات العمومية» (Centro de Estudios Públicos) تقدم لنا صورة لبلد يتغير عمقه أكثر مما تتغير نخبته. حوالي 24 في المائة من التشيليين يعرّفون أنفسهم اليوم بأنهم من اليمين، وهي أعلى نسبة في تاريخ هذه المؤسسة البحثية، مقابل 36 في المائة في الوسط و20 في المائة فقط في اليسار. الأخطر أن 23 في المائة من المستجوبين يعتقدون أن نظامًا سلطويًا يمكن أن يكون مفضلًا في بعض الحالات، وهي نسبة مقلقة في بلد عاش واحدة من أقسى الديكتاتوريات العسكرية في تاريخ أمريكا اللاتينية.

هذا الميل المتنامي نحو “الحزم” و“النظام” يتغذى من واقع اجتماعي لا يمكن إنكاره: ارتفاع الإحساس بانعدام الأمن، تضاعف معدلات القتل تقريبًا خلال عقد، صعود الجريمة المنظمة، وتحوّل موضوع الهجرة غير النظامية إلى ورقة سياسية رابحة في يد اليمين.

باختصار، الشيلي اليوم بلد خرج من ثورة اجتماعية في 2019، وجرّب أفقًا دستوريا جديدًا سقط في الاستفتاء، وذاق طعم حكومة يسارية شابة بقيادة غابرييل بوريك، قبل أن يعود مسكونًا بهاجس الأمن والخوف من المستقبل.

ما يجري اليوم في سانتياغو لا يخص التشيلي وحده، بل يقدّم صورة مصغّرة عن أزمة الديمقراطيات في عالم اليوم. حين يتعب الناس من الأحلام الكبيرة، وهو ما يجري تقريبا في جارتنا إسبانيا وفي حدودنا الشمالية مع صعود نجم اليمين المتطرف فوكس، يفتشون عن “يد قوية” تعيد النظام ولو على حساب جزء من الحرية والرفاهية. وفي هذا المفترق الحاد، لن يكون السؤال فقط: من سيفوز في الشيلي؟ بل: أي شيلي ستولد من رحم هذه الانتخابات؟ شيلي الحقوق والعدالة الاجتماعية أم شيلي الخوف والأسوار العالية؟

الجواب لن يتأخر كثيرًا، لكنه، مهما كان، سيهم المغرب والعالم كما يهم أمريكا اللاتينية نفسها، لأن الشيلي، التي احتفلنا فيها بكأس عالمية مغربية، قد تصبح غدًا مختبرًا جديدًا لما يمكن أن تؤول إليه ديمقراطيات الجنوب حين تفقد ثقتها في الوسط، وتفضّل الارتماء في أحضان أقصى اليمين وأقصى اليسار.

—————————-
*صحافي وباحث متخصص في الشؤون المغربية-الإسبانية-الأمريكولاتينية 

التصنيف : أمريكا اللاتينية المغرب تحاليل