توفيق سليماني*
في مساء الرابع من نونبر الجاري بمدينة الرباط، وفي حضن جلسة إنسانية استثنائية نظمتها الجمعية المغربية للدراسات الإيبيرية والإيبيرو-أمريكية بشراكة مع المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، التأم أساتذة وباحثون ورفاق درب وطلبة وأصدقاء لتأبين الراحل الأستاذ محمد الصالحي. الحاضرون كرموا رجلا ترك أثرًا لا يزول في فضاء الدراسات الإسبانية والإيبيرية بالمغرب وفي الوجدان المهني والإنساني لمن عرفوه.
وحتى هذه السطور الختامية هي عبارة عن رحلة وفاء بدأت بمقالين يضيئان إسهاماته الفكرية ومنهجه الإنساني، وصولا إلى هذا المقال الثالث الذي يجمع ما تبقى من المداخلات والشهادات الحية التي قُدمت في الحفل، ويعيد ترتيبها في سياقها الطبيعي الذي يكشف عمق التجربة الإنسانية والعلمية للرجل، ولماذا ظل حاضرًا رغم الغياب، وكيف صار جمعُ الناس حول ذكراه صورة أخيرة لروحٍ لا تزال تُلهم.
من طنجة إلى مدريد، ومن فاس إلى الرباط، ومن المدرجات الجامعية إلى فضاءات البحث العلمي، وربما حتى الشارع، بدا الحفل وكأنه رحلة عودة جماعية نحو رجل جمع الباحثين والمهتمين باختلاف مرجعياتهم كما يجمع المعلم الحقيقي تلامذته حول شغف واحد. وقد عبّرت المداخلات، واحدة تلو الأخرى، عن أن الصالحي لم يكن مجرد أستاذ، بل صلة وصل بين أماكن وأجيال ومسارات وأفكار، وأن وداعه هو أيضًا مناسبة لتأمل ما زرعه في محيطه من صدق ومواقف وشهامة وإخلاص للمهنة والإنسان.
نادية العشيري: فارس بأخلاقه
سلطت نادية العشيري، أستاذة بمدرسة فهد العليا للترجمة بطنجة، على أول خيوط علاقتها بالراحل قائلة: “التقيت لأول مرة الراحل الأستاذ محمد الصالحي في مدريد. كانت جلساته جلسات سفر وعلم وحديث واستمتاع بثقافته الموسوعية”.
ثم استحضرت اللقاء الثاني الذي جمعهما في كاستيا لامانتشا خلال تأسيس جمعية للدارسين للإسبانية في العالم العربي، قبل أن تنتقل إلى صورة أكثر قربًا من شخصية الرجل. “في الحقيقة كان الأستاذ الصالحي يتصرف كفارس ليس فقط مع النساء ولكن بأخلاقيات الفارس. كل ما قيل في حقه يعبر عن صدق الرجل. إذا لم يعجبه أمر ينسحب في صمت. كان دوما يسعى إلى إصلاح الأمور وليس إفسادها”.
في كلمات العشيري ظهرت صورة رجل نبيل، واسع الثقافة، يُشبه الفارس في أدبه كما في مواقفه، وتكشف شهادتها عن شخصية تميل إلى البناء وإصلاح العطب بدل الاندفاع نحو الصدام.
علال الزعيم: الكاريزما التي ملأت فاس ثم تركت فراغًا
جاءت بعد ذلك شهادة الأستاذ الجامعي علال الزعيم، رفيق الصالحي في فاس قبل انتقال الأخير إلى الرباط، والذي استعاد سنوات الود التي استمرت رغم بعد المسافة بين المدينتين. قال الزعيم: “كان مناضلا متميزا في ساحة كلية الآداب في فاس. مع رحيل المرحوم إلى الرباط شعرت بفراغ الكلية من الزملاء”.
وتوقف الزعيم عند المفارقة الموازية التي عاشتها الشعبة: “في البداية، في الثمانينات والتسعينات، كان عدد الطلبة يتجاوز 200. تقلص العدد من 250 إلى 80 طالب. في الحقيقة،التقى الفراغان: فراغ رحيل الصالحي إلى الرباط وتراجع عدد الطلبة الدارسين للغة الإسبانية بعد فتح شعب في مدن أخرى مثل الناظور ومكناس”.
وعن الصفة الجامعة لشخصية الراحل قال: “كان الصالحي شخصية كاريزماتية. نفذ إلى قلوب طلبته والجميع منذ الدروس الأولى. كان طموحا ويميل إلى الجدية والنشاط وتنظيم عملنا في الشعبة بفاس. كان صادقا في كلامه وحميميا في جلساته”.
شهادة الزعيم تكشف كيف كان الصالحي قوة حياة داخل المؤسسة: حضور يملأ المكان، وإرادة تنظيم، وقدرة على لمس جوهر الإنسان منذ اللقاء الأول.
محمد الوالي: أناقة الروح قبل أناقة المظهر
أما محمد الوالي، الجامعي المغربي، فقد اختصر انطباعه الأول عن الصالحي بجملة مكثفة بقيت عالقة في ذاكرة الحاضرين: “محمد الصالحي كان شابا أنيقًا ووديعا كأنه خُلق للألفة. كان فتى الفتيان.”
جملة تختصر صورة الشاب الذي عرفه جيله. هادئ، أنيق، محبّ للناس، يدخل الألفة على المكان كما تدخلها مدينته أزرو على الزوار.
مصطفى لعريصة: رجل سفر بين الثقافات
تلت ذلك شهادة صديق الراحل الدكتور مصطفى لعريصة، الذي قال بحميمية من كان قريبا من الصالحي:“هوسي ومرضي بالثقافة الإيبروأمريكية يعود فيه الفضل للراحل محمد الصالحي”. وأضاف مؤكدا ريادته الفكرية: “كان الصالحي من السباقين إلى الحديث عن الفكر ما بعد الاستعمار”. ثم قدّم أجمل وصف جامع للشخصية: “الراحل كان رجل سفر بين الثقافات. رجل أحب الحياة بكل ما تحمله الكلمة من معنى. حب غارق في الإنسانية”. لعريصة، الذي ينطلق من مرجعية فلسفية، وضع الراحل داخل سياق معرفي أوسع: باحث في ما بعد الاستعمار، وجسر ثقافي، وعاشق كبير للحياة.
بلعياشي: الرجل الذي جمع الناس حتى بعد رحيله
ثم جاءت شهادة الدكتور عبد الرحمان بلعياشي، الأستاذ الجامعي بأكادير وباحث في الدراسات الإسبانية، والذي تتلمذ عند الصالحي قبل أن يصبح زميلًا في المهنة.
قال بلعياشي: “هذه الجلسة خلقت إجماعًا في شخص محمد الصالحي، كما أنه السبب في الوصل اليوم بين مجموعة من الأشخاص. كل واحد جاء من مكان أو مدينة أو جامعة أخرى، والفضل يعود للأستاذ الصالحي. وهذا يدل على أنه كان متميزًا.”وتابع عن قوته الوجدانية: “كان رجل مواقف. رجل إذا التقيته تقول إنك تعرفه منذ زمان بعيد، أو تتأسف على عدم معرفته“. وأضاف واصفًا أثره الإنساني: “الصالحي كان يشبه المسكن والمهدئ. لديه كاريزما.”
سعيد بنعبد الواحد: مكتشف المواهب وصياد الجواهر
بدوره تحدث سعيد بنعبد الواحد، المترجم والباحث المغربي وأحد طلبة الصالحي، عن جانب آخر من شخصية المعلم؛ قائلا: “كان التزام الصالحي مع الطلبة ونظرته الثاقبة يجعلان منه صيادًا للنوادر والمواهب. كان يدون كل ما يقوم به الطلبة. كان مكتشفًا للطلبة الجواهر. كان لديه حس الباحث.” بن عبدالواحد يقدم ملامح الأستاذ الذي يرى في الطلبة ما لا يراه الآخرون، ويكتب ويسجّل ويؤمن بأن في كل طالب مشروع باحث.
مصطفى أمادي: زرع الأمل… وإرث لا ينتهي
وختم الجلسة الأستاذ مصطفى أمادي، الذي كان أيضًا يسير اللقاء، بقوله: “كان أستاذًا لا يمل من زرع الأمل. الحديث عن محمد الصالحي متشعب الأحاديث. اسمه يجب أن يُخلّد”. كانت كلماته بمثابة تلخيص لروح الحفل. رجل متعدد الزوايا، غنيّ المسار، يسكنه الإصرار على دفع الناس إلى الأمام.
صورة وذاكرة لا تغيبان
انتهى الحفل بصورة عائلية جمعت الحاضرين، كما لو أنهم أرادوا تثبيت لحظة من لحظات الوفاء في الزمن، لكن ذاكرة محمد الصالحي لا تنتهي.
سيبقى خالدا في وجدان من عرفوه ورافقوه وتتلمذوا على يده، وفي ذاكرة كل من لمسوا أثره في الفكر والقيم والعمل الأكاديمي. فقد رحل الجسد، لكن أثر الأستاذ باقٍ، لا يزول.
—————————-
* صحافي وباحث متخصص في العلاقات المغربية الإسبانية والأمريكولاتينية