20 يونيو 2026 / 00:12

بيت الصحافة

العنصرية.. مشكلة بنيوية بإسبانيا؟

مارس 30 - 9 نوفمبر 2025

توفيق سليماني*

إذا كان جزء من الرأي العام الإسباني والجمهور الرياضي، لاسيما من التيارات اليمينية المتطرفة، يمارس يوميًا العنصرية ضد لاعبين يصنعون الفرح والمتعة في الملاعب الإسبانية، ويحركون اقتصاد كرة القدم، ويساهمون في جلب الألقاب والصورة الدولية للبلد، فماذا يمكن أن يقال إذن عن العمال والمهاجرين العاديين؟

إن هذا الواقع يكشف حجم المعاناة التي يعيشها عدد كبير من الأجانب من أصول أفريقية في الجارة الشمالية.

وقد كشف تقرير صادر عن المرصد الإسباني للعنصرية وكراهية الأجانب (OBERAXE) – والذي نشرت صحيفة إلباييس بعض تفاصيله – عن التنامي المقلق لخطاب الكراهية الموجّه ضد لاعبين من أصول أفريقية وأمريكية لاتينية في إسبانيا، وخاصة ضد لاعبين شابين من جذور مغربية مثل لامين جمال، مهاجم برشلونة والدولي الإسباني من أصل مغربي، وبراهيم دياز، لاعب ريال مدريد والدولي المغربي.

الدراسة، التي اعتمدت على تحليل عبر الذكاء الاصطناعي لمحتوى منشور على شبكات التواصل الاجتماعي، رصدت 33.458 رسالة تحمل مضامين عنصرية وعدائية موجّهة إلى لاعبي النخبة. وما خفي أعظم، فهذه الأرقام تتعلق فقط بالدوري الممتاز وما يُتداول عبر المنصات الكبرى؛ بينما ما يحدث في الدرجات الثانية والثالثة وما دونها قد يكون أعمق وأخطر وأكثر عنفًا.

وأظهر التقرير أن نجم برشلونة الصاعد لامين جمال يتعرض للنسبة الأكبر من تلك الهجمات، حيث يمثل 60% من مجموع الإساءات. اللاعب، البالغ من العمر 18 عامًا، تربع في وقت وجيز على صدارة المشهد الكروي الإسباني بأهدافه وصناعته للفرجة، لكنه يجد نفسه في الوقت ذاته هدفًا مباشرًا للشتائم العنصرية، من بينها عبارات مثل “مورو متسخ”، وغيرها من التعابير التي لا داعي لإعادة ذكرها حتى لا تُمنح أكثر مما تستحق. هذه الوقائع تؤكد أن النجاح الرياضي لا يحمي من العنصرية في الفضاء الرقمي.

ويأتي بعده في الترتيب البرازيلي فينيسيوس جونيور بنسبة 29% من الهجمات، بينما شملت الإساءات أيضًا لاعبين آخرين من أصول مهاجرة أو أفريقية مثل كيليان مبابي، أليخاندرو بالدي، إيناكي ويليامس، وبراهيم دياز. وهو ما يثبت أن المسألة لا تتعلق بالأداء، بل بـالهوية والأصل واللون.

هذا الوضع يعكس استمرار مشكلة عميقة داخل المنظومة الرياضية والاجتماعية الإسبانية. فإسبانيا من البلدان التي يتباطأ فيها الاعتراف بالتعددية الثقافية داخل الرياضة. ومع تحول كرة القدم إلى منصة عالمية ومحرك اقتصادي، فإنها تكشف التميز الرياضي من جهة، والانقسامات الثقافية والاجتماعية من جهة أخرى.

وهذه الانقسامات تغذيها اليوم قوى سياسية مثل حزب فوكس اليميني المتطرف، مدعومة – عن وعي أو دون وعي – من قبل الحزب الشعبي. الحزب الشعبي اليوم أصبح أقرب إلى خط أثنار من خط راخوي؛ وضعف زعيمه الحالي ألفيخو جعله ينجرف نحو خطاب سانتياغو أباسكال. لا فرق جوهري بين أثنار وأباسكال سوى أسلوب الكلام، أما الجوهر فواحد تقريبًا. وفي كتالونيا نفسها، برز الحزب الناشئ “التحالف الكتالوني”، الذي يشكل نسخة مطابقة تقريبًا لحزب فوكس؛ لا يكاد يختلف عنه إلا في نقطة واحدة: الأول يدافع عن كتالونيا مستقلة خالية من المهاجرين والمغاربة؛ والثاني يدافع عن إسبانيا موحدة خالية من المهاجرين والمغاربة.

كما أظهر التقرير تباينًا في تعامل المنصات الرقمية مع هذه الظاهرة؛ فقد قامت إدارة فيسبوك بحذف 62% من المحتوى المسيء الذي تم الإبلاغ عنه، في حين لم تتجاوز نسبة الحذف في منصة X (تويتر سابقًا) 10% فقط، ما يجعلها بيئة أكثر تساهلًا مع خطاب الكراهية.

ولا يمكن اختزال الظاهرة في مسألة اختيار الانتماء الكروي أو الوطني. فحتى من اختاروا اللعب لإسبانيا مثل لامين جمال يواجهون نفس الهجمات. ما يعني أن المشكلة بنيوية وليست مرتبطة بمواقف فردية. نعم، عبّر لامين جمال عن ارتباطه بأصوله المغربية من خلال محيطه اليومي وأصدقائه وذوقه الفني والموسيقي، لكن هذا ليس جوهر الموضوع. إشكال اليمين المتطرف مع لامين جمال وبراهيم دياز ومبابي هو أنهم يمثلون قصص نجاح واندماج في المجتمع الإسباني، رغم اختلاف الخلفيات والأديان والثقافات.

لذلك، فإن التقرير لا يقدم أرقامًا فقط، بل يكشف بنية اجتماعية ما زال فيها اللون والأصل يلعبان دورًا حاسمًا في النظر إلى الرياضيين، خاصة وسط جمهور اليمين المتطرف. التحدي اليوم لا يقتصر على معاقبة الإهانة، بل على الاعتراف بأن العنصرية في الرياضة هي مرآة للعنصرية في المجال العام.

هل تستطيع إسبانيا مواجهة هذه الآفة في ظل صعود اليمين والانسداد السياسي الذي يهدد الولاية التشريعية الحالية؟

لا أعتقد. لكن كما يقال بالإسبانية:

La esperanza es lo último que se pierdeالأمل آخر ما يمكن أن يُفقد.

———————

* صحافي وباحث مهتم بالعلاقات المغربية الإسبانية 

التصنيف : آراء اسبانيا