20 يونيو 2026 / 04:07

بيت الصحافة

الوزير السعيد.. مطر مايو

مارس 30 - 2 نوفمبر 2025

توفيق سليماني*

تابعت، كما يفعل كل المهتمين بالعلاقات الدولية والدبلوماسية، حلقة استضافة وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة على القناة الثانية مساء أمس السبت. كما تابعت مساره منذ تعيينه سنة 2016 وزيراً منتدباً للخارجية، ثم وزيراً كامل المسؤوليات سنة 2017. كما تابعت حضوره في المدرجات خلال نصف نهائي كأس العالم بقطر سنة 2022، وفي نهائي كأس العالم لأقل من 20 سنة بالشيلي سنة 2025.

وزير يستحق أن يُكتب عنه. قال كلمته، وربما سيكون له شأن أكبر مستقبلاً. هو وزير يتمنى كثير من وزراء الخارجية السابقين، الأحياء والأموات منهم، والمعلقة صورهم في مبنى الوزارة، تحقيق ما تحقق في عهده.

لا يمكن القول إن بوريطة هو صانع الاستراتيجية الخارجية للمغرب، وهو نفسه يدرك ذلك، لكنه العقل التنفيذي الأكثر حضوراً ودقة. وهذه إحدى نقاط قوة المؤسسة الملكية: السياسة الخارجية لا تتغير بتغيّر الحكومات ولا بتغيّر الوزراء.

كان يُروى سابقاً أنه يتابع كل صغيرة وكبيرة تهم مجاله في الصحافة الوطنية والدولية. وفي الغالب لا يحتاج الصحافيون المتخصصون إلى التعريف بأنفسهم لديه، فقد يقول لهم ببساطة: «أعرف الاسم».

لا نقاش بهذا الخصوص؛ ناصر بوريطة قد يكون أسعد وزير خارجية في المنطقة، وربما في العالم. وهو في المغرب أسعد الوزراء على الإطلاق. قد يقترب منه فوزي لقجع، وإن كانت نجاحات هذا الأخير ذات طابع كروي أكثر. وقد يكون فوزي بحق أسعد رئيس اتحاد كروي في إفريقيا، على أمل أن ينجح أيضاً في منصبه الحكومي.

لنترك لقجع يحتفل بكأس العالم لأقل من عشرين سنة، ولنعد إلى بوريطة. فهو أيضاً يمكن وصفه بـ الوزير “المسعود”. والحظ مهم. فالنجاحات الكبرى دائماً تحمل شيئاً من سعد صاحبها، لكن الحظ أيضاً يُصنع. كما يقول الإسبان:

La suerte se trabaja

أي إن الحظ يُشتغل عليه.

سعد ناصر بوريطة جعله حاضراً في المحطات الكبرى منذ 2017. مع ذلك فحضوره في وزارة الخارجية يعود إلى سنة 1992، مباشرة بعد توقيع اتفاق وقف إطلاق النار مع البوليساريو. كما كان حاضراً في الوزارة، في 2007، حين وضع المغرب مبادرة الحكم الذاتي لدى الأمم المتحدة.

ضبطه للتفاصيل الدقيقة يدل بشكل قاطع أنه ابن الدار، un viejo del lugar.

حتى اسمه يحمل شيئاً من فأل الخير: ناصر (أي المساعد والمؤيد)، وقد كان بالفعل كذلك، مساهمًا عن قرب في نجاحات الدبلوماسية المغربية في العقد الأخير. أما اسم “بوريطة”، ورغم غياب تفسير لغوي دقيق له، إلا أن الوقع يوحي بخفة الحركة، وكأن صاحبه يطير. والواقع أنه يطير كثيراً بين العواصم، ويعود غالباً منتصرًا.

وقد قال عنه أحد المقربين لصحيفة El País في ماي 2021: «رجل لا يكل ولا يمل. يتصل بك في نهاية الأسبوع وفي الفجر. لا يمكنك أن تقول له إنك متعب، ببساطة لأنك تعلم أنه يشتغل أكثر من أي شخص آخر».

وشهر ماي له دلالته في حياته. ففيه وُلد سنة 1969، قبل ست سنوات من المسيرة الخضراء. وهو اليوم واحد من أبرز وجوه المسيرة الخضراء الثانية التي أطلقها جلالة الملك: مسيرة التنمية والوضوح والطموح واليد الممدودة.

ويقول مثل من غاليسيا الإسبانية:

Auga de maio, pan para todo o ano

مطر ماي يمنح خبزاً لسنة كاملة.

كناية على أن أمطار مايو عندهم تبشر بكثرة الغلة وجني الثمار وانتعاش المحاصيل وهي  العبارات نفسها التي امتح منها بوريطة في نقاش هيمن عليه. وهذا شيء عادي، ممن قد تخرج الصحافة الإسبانية أو غيرها لوصفه بميسي Messi الدبلوماسية المغاربية والعربية والأفريقية، كما سبق ووصفت سياسيا مغربيا محنكا انتهى قبل الأوان، عندما كان بوريطة يستعد لتحمل مسؤولية وزارة الخارجية بالعلامة الكاملة. عندها سيكون للعبارة شأن، ما دام مطرب الحي عندنا لا يطرب. وحسنا فعل بوريطة عندما خص الإعلام المغربي بأول خرجة إعلامية بعد القرار الأممي.

ويبدو أن شهر ولادته يحمل معه بشارة سعدٍ دبلوماسي أيضاً.

ففي سنة تعيينه وزيراً كاملاً (2017)، عاد المغرب إلى الاتحاد الإفريقي، وتم تطبيع العلاقات مع كوبا، أحد أهم معاقل الجزائر والبوليساريو في أمريكا اللاتينية. ثم بدأت مسيرة الطيران بين القارات، وصولًا إلى دعم الرئيس الأميركي دونالد ترامب سنة 2020، ثم ألمانيا في يناير 2022، فإسبانيا في مارس 2022، ففرنسا سنة 2024، فبريطانيا سنة 2025، ثم الدعم الروسي والصيني غير المعلن عبر خيار الامتناع؛ وصولاً إلى قرار مجلس الأمن الأخير الذي يدعم الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية. وما تبقى تفاصيل. لكم التعليق بخصوص إسرائيل. النتيجة الحالية، أو الثمار كما سماها بوريطة نفسه يوم أمس، تقول إنه أتقن اللعبة في عالم تغيرت فيه قواعد اللعبة. لا يمكن الحكم على القرن الواحد والعشرين بمنطق القرن المنصرم.

ما سبق لا يهدف إلى صناعة نجم، فهو لا يسعى لذلك كما يقول المقربون منه؛ بل هو محاولة للكتابة صحفيا وتأريخا للحظة، عن شخصية دبلوماسية فرضت نفسها وطنياً وإقليمياً ودولياً.

وبوريطة أولاً وأخيراً منفّذ للتوجهات العليا للدولة بقيادة جلالة الملك محمد السادس. وهذا الانسجام بين واضعي الرؤية ومنفذيها، هو ما يلخصه القول الصيني: «إذا ساد الانسجام في البيت، ساد النظام في الأمة؛ وإذا ساد النظام في الأمة، عَمَّ السلام العالم». نتمنى أن يسود النظام (El orden وليس El régimen) أيضا بيت الجيران لعلهم يستجيبون قريبا لليد الملكية الممدودة.

أما تذكير الصين للعالم سنة 2021 بأن «التاريخ لا يعود إلى الوراء» فهو رسالة مباشرة إلى من لا يزال يعيش في مرحلة الحرب الباردة. هو التذكير الذي جسدته في جلسة مجلس الأمن أربع سنوات بعد ذلك. فهل تستوعب الجزائر والبوليساريو هذه الحقيقة؟ نرجو ذلك.

وأما نقاش بوريطة في القناة الثانية، فقد كان أشبه بـ إشارات للبحارة، Aviso a navegantes:

«من أراد أن يسمع، فليسمع».

———————————

* صحافي متخصص في الشأن المغربي-الإسباني-الأمريكولايتيني

التصنيف : آراء المغرب