19 يونيو 2026 / 22:56

بيت الصحافة

من أجل هذه اللحظة التاريخية… استشهدوا وماتوا ويعيشون… وعشنا

مارس 30 - 1 نوفمبر 2025

توفيق سليماني*

لم يكن القرار الجديد الصادر عن مجلس الأمن، مساء يوم أمس الجمعة، بخصوص نزاع الصحراء، مجرد وثيقة أممية أخرى. لقد شكّل إعلاناً واضحاً بانتصار الرؤية المغربية لحل نزاع عمر نصف قرن، وطيّاً لصفحة طويلة من الأوهام الانفصالية التي رعتها الجزائر والبوليساريو ومن يدور في فلكهما. قرارٌ يمكن اعتباره القبر النهائي لجدل الاستفتاء، وترسيخًا لمقترح الحكم الذاتي كأفق وحيد واقعي وقابل للحياة.

لكن خلف هذا المكسب الدبلوماسي، مكسب دولة وأمة، هناك قصة إنسانٍ وجيلٍ وذاكرة.

قصة من عاش الصحراء لا في الشعارات، بل في الجسد والغياب والصبر والذاكرة والوجدان.

لقد استشهد مغاربة على رمال الصحراء؛

وآخرون عادوا بعاهات مستديمة؛

ومغاربة قضوا سنواتٍ طويلة في أسر البوليساريو حتى وقف إطلاق النار سنة 1991؛

أبناء لم يروا آباءهم إلا في صور باهتة بالأبيض والأسود؛

وأطفال لم يعرفوا آباءهم إلا زوارًا عابرين كل ثلاثة أشهر يعودون لبضعة أيام، ثم يعودون إلى المحبس والزاك وطانطان والسمارة.

زوجاتٌ كنّ يودّعن أزواجهن وكأنهن يودعن الحياة كل مرة؛

وجدّاتٌ كانت دموعهن جزءًا من روتين البيت.

كم أحبُّ الجدة، الأم الثانية، وكم كانت قاسية تلك اللحظة التي أرى فيها دمعةً تنزلق من عينها وأنا مستلقٍ على فخذها.

كان المحبس والزاك والصّحرا (كما كنا ننطقها) جزءًا من مفرداتنا اليومية، أقرب إلى الخبز اليومي.

والجدة كانت تقول: محمد إنّو (ابني محمد).

كانت الرسائل الورقية تصل أحيانا وفي أحايين أخرى لا تصل.

وإذا وصلت، التفّ الجميع حولها وكأنها حياة.

وكانت قصائد أحيدوس تقول ما لا يقوله أحد:

ثا مطوط واعسكري ينغات ومارغ أوا..

أوا ينغات ومارغ أوا..

أوا يدا غر الصحرا ورذ أديعايذ أوا

(زوجة العسكري اشتاقت لزوجها.. ذهب إلى الصحراء ولن يعود)

وأنا طفل، كنت أكره هذا البيت الشعري.

لأنه كان الحقيقة التي نحاول الهروب منها.

لكن الذاكرة أقوى من الهروب.

لقد قضى بعض الآباء أكثر من ثلاثين عامًا مرابطين على خطوط التماس.

كنا نعرف قسوة الثلج والبرد في الأطلس، ثم عرفنا قسوة الغياب.

اليوم، حين يقول المغاربة إن الصحراء جزء لا يتجزأ من الوطن، فذلك ليس شعارًا ولا نشيدًا مدرسيًا.

إنه امتحان وجود.

مسألة أن نكون أو لا نكون.

وهنا نستعيد حكمة صينية:

حكماء أولئك الآباء الذين يمنحون أبناءهم جذورًا، وأجنحة، وخريطة.

الذين استشهدوا أو عادوا أو ما زالوا أحياء…

هم هؤلاء الحكماء.

زرعوا الجذور في الأرض.

منحونا الأجنحة لنحمل القضية إلى العالم.

ورسموا الخريطة بعرقهم وغيابهم وصبرهم.

وقد كانوا يحملون تلك الخريطة حتى في تفاصيل صغيرة…

في الموزيط، تلك الحقيبة العسكرية التي كان الوالد يضع فيها أمتعته ومتاعه وشيئًا من رائحته وذكرياته.

كان فيها دائمًا رمل الصحراء.

وكنا نتساءل صغارًا: هل تسلل النمل إلى الموزيط؟  رمال الصحراء تشبه عندنا في الصغر رمال بيوت النمل.

ثم فهمنا لاحقًا أن الصحراء كانت تأتي إلينا…

لتسكننا كما سكنت الوالد، أطال الله في عمره.

اليوم، حين اعتمد مجلس الأمن الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية أساسًا للحل، لم نربح مفاوضة فحسب…

بل رددنا التحية لأولئك الذين عاشوا وماتوا من أجل ألا تضيع البوصلة.

لقد عاد الوطن لأبنائه الذين حملوه في قلوبهم قبل بندقياتهم.

وعادت الصحراء بابتسامتها إلى الأحياء… وإلى الأموات.

لم يكن هذا انتصارًا دبلوماسيًا فقط…

بل كان انتصارًا للذاكرة، للدم، للصبر، للأغنية، وللرسالة التي جعلتنا نعيش هذه اللحظة العظيمة.

التصنيف : آراء الصحراء المغرب