20 يونيو 2026 / 01:38

بيت الصحافة

عودة الملك الذي لا يريد أن يُدفن حيّاً

مارس 30 - 29 أكتوبر 2025

توفيق سليماني* 

يصدق البيت الشعري المأثور «وظلم ذوي القربى أشد مضاضـةً على المرء من وقع الحسام المهند» للشاعر طرفة بن العبد على الملك الإسباني السابق، خوان كارلوس. فعلى مشارف عقده التاسع، يرفض أن يُدفن حيّاً وأن يتحول إلى نكرة، كأنه لم يكن شيئاً. ويرفض كذلك أن يبكي كالنساء على عهدٍ لم يُحسن الحفاظ عليه، كما فعل بعض رفاقه ومعاصريه من الملوك. لكنه يفخر بأنه تنازل عن العرش حفاظاً على المؤسسة الملكية.

على امتداد ما يقارب أربعة عقود، اعتُبر الملك الإسباني السابق خوان كارلوس الأول الشخصية المحورية في مرحلة الانتقال الديمقراطي بإسبانيا. فقد رسّخ صورته كضامن للديمقراطية الوليدة، خصوصاً عقب تدخّله ليلة 23 فبراير 1981، عندما دعا إلى حماية النظام الدستوري في مواجهة محاولة الانقلاب خلال جلسة تنصيب ليوبولدو كالفو سوتيلو رئيساً للحكومة. إبراز دور خوان كارلوس لا يبخس ما قام به أدولفو سواريز، وكذلك رئيس الحكومة الديمقراطية فيليبي غونزاليس، من بعد.

غير أن نصف قرن بعد ذلك، يجد الملك الذي جسّد لعقود رمز الاستقرار المؤسساتي نفسه يعيش بعيداً عن بلده، منبوذاً، في منفى اختياري في أبوظبي، مصمماً على نشر مذكّراته بهدف استعادة السيطرة على سردية تاريخه الشخصي والسياسي. فهو لا يريد أن يكتب غيره تاريخه، واعٍ بأن «التاريخ يكتبه المنتصر».

الكتاب، الذي يحمل عنوان «Juan Carlos I d’Espagne. Réconciliation» (خوان كارلوس الإسباني: المصالحة)، ألّفته الكاتبة لورانس دوبري، وسيصدر أولاً في فرنسا يوم 5 نونبر، ثم في إسبانيا بعد ثلاثة أسابيع، وفق صحيفة “إل بايس” الإسبانية التي استندت إلى حوار نشرته لو فيغارو، ومقال مطول للوموند. لجوء الملك إلى الصحافة الفرنسية يعبر عن غضبه وامتعاضه من أبناء جلدته.

ويُقدَّم هذا العمل، حسب المقربين منه، باعتباره محاولة لشرح مسيرته في الحكم وخارجه، وترتيب الأحداث المثيرة للجدل، ومواجهة التأويلات المتباينة لإرثه التاريخي. ويُقال إن المؤسسة الملكية نصحت، إن لم تكن ضغطت عليه، بتأجيل نشر المذكرات كي لا تتزامن مع الذكرى الخمسين لوفاة الدكتاتور فرانكو في 20 نونبر 1975.

 

منفى يُقدَّم على أنه تضحية

 

يصف خوان كارلوس رحيله من إسبانيا بأنه قرار اتخذه لحماية ابنه الملك فيليبي السادس والحفاظ على استقرار العرش. ويشير إلى أنه بحث عن مكان بعيد عن الضغط الإعلامي الإسباني المستمر، وهو ما يفسّر السرية الكبيرة التي تحيط بإقامته الحالية في الخليج.

ولا يزال مكان إقامته الدقيقة سراً، ويروي أنه في إحدى المرات تم توقيف صحفي إسباني حاول الوصول إلى مقر سكنه من قبل السلطات الإماراتية، وأنه تدخّل شخصياً لإطلاق سراحه، في إشارة يمكن وصفها بـ«موقف شهم». يتدخل لصالح من حاول اقتحام حياته اليومية بعد أن لم يعد شخصية عمومية؛ فهو لم يعد يتقاضى راتباً، ليصبح بذلك « أول موظف في التاريخ بدون معاش»، وربما أول ملك يخدم شعبه أربعين عاماً دون أن يحظى بمقابل التقدير أو معاشٍ يحفظ مكانته الرمزية.

تخلى الملك السابق طوعاً عن العرش سنة 2014 بعد 39 عاماً من الحكم، لصالح ابنه فيليبي السادس، بحثاً عن حماية المؤسسة الملكية ومستقبلها. ويعترف بأنه نجح جزئياً في ذلك، لكنه يدرك أيضاً أن العيش بعيداً عن السلطة والبلد ترك في نفسه ندوباً عميقة، أهمها شعور بـ«تخلّي المقربين عنه».

وبحسب روايته، فإن هذا الابتعاد لم يكن انسحاباً طوعياً تماماً، بل نفياً اختاره لتجنيب العرش اهتزازات سياسية ناجمة عن تجاوزاته الشخصية. يعترف بذلك، ولكن بعد فوات الأوان.

أخطاء معترف بها وملفات مالية مثيرة للجدل

 

يعترف الملك السابق بارتكابه أخطاء، خصوصاً خلال سنوات النفوذ الكبير للمؤسسة الملكية، قبل صعود حزب بوديموس ونخبة يسارية جديدة متوجسة من النظام الملكي، ويقول إنه وثق في أشخاص لم يكونوا جديرين بالثقة، وإنه وجد نفسه محاطاً ببيئة لم تنصحه النصيحة الصائبة.

ومن بين القضايا التي يتناولها الكتاب قضية 65 مليون يورو التي تلقاها من الملك السعودي الراحل عبد الله بن عبد العزيز. ويؤكد خوان كارلوس أنه اعتبر ذلك «بادرة كرم بين عائلتين ملكيتين صديقتين»، لكنه يعترف بأن قبول تلك الأموال كان قراراً متسرعاً يصعب تبريره وفق المعايير المؤسسية الحالية.

ويقول إنه قبل تلك الهبة لضمان مستوى معيشي مريح له ولعائلته خلال تقاعده بعيداً عن الأضواء، غير أن العملية انتهت إلى أن تكون الشرارة التي خدشت صورته العامة وأدخلته في دوامة من الجدل. إلى جانب رحلة صيد الفيلة في بوتسوانا في عز الأزمة الاقتصادية، كانت تلك الهبة «القشة التي قصمت ظهر البعير».

تدهور الروابط العائلية تحوّل إلى جرح سياسي

 

تحتل العلاقة بين الملك السابق وابنه الملك فيليبي السادس حيزاً أساسياً في مذكّراته. ويعتبر خوان كارلوس أن ابنه تصرف كرجل دولة عندما قرر أن ينأى بالمؤسسة الملكية عن تبعات قضية «الأموال السعودية»، لكنه يرى أن ذلك القرار كان «قطعاً وجدانياً» داخل العائلة.

ويشير إلى أن الملكة صوفيا لم تزره في أبوظبي، في حين حافظت ابنتاه إيلينا وكريستينا على زيارة والدهما. أما الملكة ليتيثيا، فيقرّ بأن وصولها إلى القصر الملكي لم يكن عاملاً إيجابياً في الانسجام العائلي، وأن الخلاف بينها وبينه لم يُحلّ.

العودة إلى الذاكرة قبل العودة إلى الوطن

 

جوهر المذكرات لا يتعلق بالسياسة بقدر ما يتعلق بالهوية والذاكرة. يخشى خوان كارلوس أن يُختزل إرثه في السنوات الأخيرة من حياته العامة، وأن تُمحى من الذاكرة الجماعية مساهمته في تثبيت الديمقراطية. كما كتبتُ سابقاً في جريدة «أخبار اليوم»، فقد كان ما حدث «خروجاً صغيراً لملك كبير»، وها هو اليوم يريد العودة، ولو بين دفّتي كتاب.

لا يطالب بعودة سياسية ولا باستعادة موقع مؤسسي. ما يطالب به هو مكان في ذاكرة بلده، وحقّه في أن يموت في إسبانيا. ويعبّر أيضاً عن قناعة راسخة بأنه «أُبعد قبل الأوان»، وأن من حقه أن يقول من كان وماذا مثّل.

مكانة في التاريخ

 

لا تسعى مذكرات خوان كارلوس الأول إلى ترميم صورة «بطل الانتقال الديمقراطي»، ولا إلى إنكار الفضائح ولا المطبات التي خيّمت على نهاية حكمه. ما تقدّمه هو صورة ملك عرف ذروة المجد ووطأة السقوط، ويخوض اليوم معركته الأخيرة: معركة الإرث. ليس الإرث المادي بل الرمزي. إنها ليست معركة سياسية، بل إنسانية قبل كل شيء: ملك يرفض أن يُدفن حيّاً.

———————————-

صحافي وباحث متخصص في العلاقات المغربية الإسبانية*

التصنيف : آراء المغرب