20 يونيو 2026 / 00:12

بيت الصحافة

أفق جديد يقرب بوليفيا من المغرب

مارس 30 - 19 أكتوبر 2025

توفيق سليماني*

شهدت بوليفيا اليوم الأحد يومًا انتخابيًا تاريخيًا، إذ دُعي نحو ثمانية ملايين مواطن إلى صناديق الاقتراع لاختيار الرئيس المقبل، في أول جولةٍ ثانيةٍ في تاريخها الديمقراطي الحديث، ولأول مرة منذ عقدين لا يظهر اسم الزعيم إيفو موراليس أو حزبه، حركة الاشتراكية (MAS)، في أوراق الاقتراع.

المواجهة بين خورخي “توتو” كيروغا، الرئيس الأسبق ذو التوجه الليبرالي-المحافظ، ورودريغو باث، المرشح الوسطي، تمثل تحولًا عميقًا في الخريطة السياسية للبلد الأنديزي. في الواقع، ما شهده العالم في بوليفيا منذ غشت المنصرم ليس مجرد تغيير حكومة، بل طي صفحة كتاب توجه الاشتراكية الشعبوية التي، طوال عشرين سنة، جعلت من بوليفيا أحد قلاع البوليساريو في أمريكا اللاتينية.

أفول حركة “ماس” والبوليساريو

في الحقيقة لم تصل حركة “ماس” بزعامة موراليس وآرس إلى هذه الانتخابات، وللتدقيق فهي وصلت إلى الجولة الأولى في 17 غشت المنصرم وهي منهكة بالصراعات الداخلية والتضخم المنفلت وتآكل نموذجها القائم على المحسوبية والزبونية والولاء للزعيم (el caudillo). حركت شاخت مبكرا وبدون بوصلة بعد أن اشتد الخناق على أبيه الروحي موراليس، وتمر التلميذ الرئيس الحالي، آرسي، على الأب او المعلم بلغة البوليفيين el maestro . اليسار الأنديزي، الذي حكم بوليفيا منذ عام 2006 تحت راية “الاشتراكية الشعبية”، والتي كانت في الحقيقة شعبوية،  يودّع السلطة باقتصاد ضعيف (تضخم بنسبة 25٪ سنويًا، وبشعبية منحطة. مواطنون سئموا الانتظار، واليوم يبدوا أنهم يتنفسوا الصعداء.

هزيمة الحزب/ الحركة MAS تحمل أيضًا دلالة جيوسياسية. فطوال أكثر من أربعة عقود، وتحديدًا منذ عام 1982، كانت بوليفيا من أكثر الداعمين ثباتًا لما يسمى “الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية”، لتتحول إلى منصة خطابية للانفصال في أمريكا اللاتينية. ذلك الاصطفاف التلقائي مع الجزائر والبوليساريو استمر حتى عام 2020، حين قررت حكومة الرئيسة المؤقتة جانين أنييز – بدعم من سفيرها ومبعوثيها الدولي آنذاك خورخي كيروغا، المرشح الأوفر حظا الان للفوز– قطع العلاقات مع الحركة الانفصالية، في خطوة فتحت نافذة أمل أمام الدبلوماسية المغربية. لكن سرعان ما عاد تلميذ موراليس، الرئيس الحالي آرسي، إلى التطبيع مع البوليساريو في نفس السنة. 

توتو كيروغا، الخيار الأفضل للمغرب

في هذا السياق، فإن فوزًا محتملاً لكيروغا سيمثل منعطفا جديدا للسياسة الخارجية البوليفية قائم على الواقعية والبراغماتية. فقد أثبت كيروغا، خلال مهمته الدولية القصيرة عام 2020، أنه ينظر إلى العلاقات الدولية من منظور مؤسسي لا أيديولوجي. رؤيته تنسجم مع الرهان المغربي على حوار عالمي قائم على الاحترام المتبادل، والتعاون جنوب-جنوب، ورفض الأطروحات الانفصالية.

وإذا وصل كيروغا إلى “القصر المحترق”، فقد تنخرط بوليفيا في الموجة اللاتينية الجديدة للاعتراف بخطة الحكم الذاتي في الصحرا، على غرار بلدان مثل تشيلي، بيرو، جمهورية الدومينيكان، باراغواي، الأرجنتين والإكوادور التي ابتعدت عن البوليساريو. بالنسبة للمغرب، أي كان الفائز، سيخرج فائزا من الانتخابات؛ في المقابل، ستخرج الجزائر والبوليساريو خاسرتين من أحد أكبر المعاقل تاريخيا للانفصال، وفي هذا إشارة إلى أن المشهد اللاتيني يعاد تشكيله لصالح المملكة.

سياق دولي مواتٍ للرباط

يأتي احتمال إعادة توجيه دفة السفينة البوليفية تجاه الموانئ المغربية في وقت تراكم فيه الدبلوماسية المغربية انتصارات واضحة ومتسقة. ففي الأمم المتحدة، صوّت المغرب لصالح القرار الذي قدمته روسيا ضد الاستعمار، وفي هذا اكثر من رسالة، كما ألمحت وزارة الخارجية الروسية إلى أن موسكو قد تقبل بخطة الحكم الذاتي إذا تحقق توافق دولي حولها.

وإذا أضيف إلى هذا الانفتاح الروسي انتقالٌ سياسي في بوليفيا نحو الوسط-اليمين، فقد يُختتم عام 2025 بنجاح جديد ويشكل نقطة تحول في موقف الجنوب العالمي إزاء نزاع الصحراء. هكذا، يمكن لمحور الرباط-لاباث أن يُبعث من جديد، فاتحًا مرحلة جديدة من التعاون الطاقي والزراعي والتعليمي بين بلدين. ورغم البعد الجغرافي بينهما، فالبلدان يشتركان في نفس التطلع إلى الإزدهار والاستقرار.

حين ينبعث القصر المحترق، يقترب من المغرب

يبدو أن القصر المحترق، القصر الرئاسي ببوليفيا، ينبعث من رماده السياسي بعد عقدين من هيمنة حركة “ماس”، ومع هذا النهوض يبرز المغرب محاورًا طبيعيًا لبوليفيا الجديدة. تجدر الإشارة إلى أن حزب ماس في عهد موراليس تخلى عن استعمال هذا القصر، وفي عهد تلميذه المتمرد آرس كان يستعمل بروتوكوليا دون أن يكون له دور بارز.

ومن الطبيعي أن تتابع الدبلوماسية المغربية هذا المسار، وربما بحماس مشروع. فحتى التيارات المعتدلة داخل “ماس” نفسها، المدركة لحالة العزلة الدولية التي تسبب فيها تطرفها، كانت بدأت بالفعل اتصالات خجولة لفتح قنوات حوار مع الرباط. ولكن يبدو أن القطار فاتها بعد أن فاتتها الحافلة الانتخابية.

وفي انتظار معرفة الفائز، ولو أن ذلك لن يؤثر على التوجه الجديد لبوليفيا ما بعد MAS، ما يُقرَّر اليوم في بوليفيا ليس مجرد تغيير رئيس، بل تغيير مسار يمكن أن يُنهي أكثر من 42 عامًا من التواطؤ مع البوليساريو. وإذا أكّد خورخي “توتو” كيروغا استطلاعات الرأي ونجح في الفوز، فقد تكتب بوليفيا، إلى جانب المغرب، صفحة جديدة في العلاقات بين أمريكا اللاتينية وشمال إفريقيا، صفحة تقوم على الواقعية والبرغماتية والتعاون وتجاوز الدوغمائيات الأيديولوجية القديمة.

——————————————————————

صحفي متخصص في الشؤون المغربية- الإسبانية-الأمريكو اللاتينية*

التصنيف : المغرب تحاليل