الشق العسكري جزء مهم في الخريطة الجغرافية التي تتشكل في المنطقة والعالم. في ظل التوترات والتحديات الأمنية والسياسية التي تعرفها المنطقة والعالم، اتخذت إسبانيا خطوة أساسية في استراتيجيتها لتحديث الأسطول البحري مع تدشين الغواصة S-82 “نارسيسو مونتوريو”، وهي الثانية من فئة S-80 التي طورتها الشركة الحكومية نافانتيا. وقد أُقيمت المراسم في قرطاجنة برئاسة وزيرة الدفاع، مارغاريتا روبليس، مؤكدة بذلك على الرهان الصناعي الإسباني وكذلك على تعزيز القدرات العسكرية للجارة الشمالية في مناطق استراتيجية مثل مضيق جبل طارق، البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي.
استثمار ذو بُعد استراتيجي
يُعتبر برنامج S-80، باستثمار يُقدر بحوالي 4.000 مليون يورو بين 2018 و2032، أكبر تحدٍّ تكنولوجي واجهته الصناعة الدفاعية الإسبانية. ويشارك في تطويره أكثر من مئة شركة، مما يعزز السيادة الصناعية والتكنولوجية للإسبان. وبالإضافة إلى البعد الاقتصادي، يضع هذا البرنامج إسبانيا ضمن المجموعة المحدودة من الدول القادرة على تصميم وبناء غواصات تقليدية من الجيل الأخير، وفق بلاغ صادر عن الحكومة الإسبانية.
قدرات تغيّر التوازن البحري
تتمتع الغواصة S-82 بنظام دفع مستقل عن الجو (AIP) طورته نافانتيا، يسمح لها بالعمل في حالة غمر لعدة أسابيع من دون الظهور على السطح. وتُعتبر هذه الميزة من الخصائص التي تجعلها من أكثر الغواصات التقليدية تقدماً داخل الناتو، إذ تزيد من قدرتها على الردع، التخفي والاستقلالية في العمليات الطويلة الأمد، وفق معطيات إسبانية.
ومن الناحية الجيوسياسية، تكتسب هذه القدرات أهمية خاصة في ثلاث ساحات:
- مضيق جبل طارق، وهو ممر استراتيجي يربط الأطلسي بالمتوسط ويُعتبر حيوياً للتجارة العالمية وللعمليات العسكرية للحلفاء.
- غرب البحر الأبيض المتوسط، حيث تتقاطع مصالح أوروبية، إفريقية وقوى خارجية مثل روسيا والصين.
- المحيط الأطلسي، الذي يعزز ارتباط إسبانيا بحلف الناتو وإسقاط قوتها نحو أمريكا وإفريقيا.
إسقاط دولي وحلف الناتو
وترى الحكومة الإسبانية أن الغواصة الأولى من السلسلة، S-81 “إسحاق بيرال”، أثبتت قيمتها الاستراتيجية في عام 2025 عندما شاركت في مناورات لحلف الناتو. وتُرسخ الغواصة S-82 هذا الإسقاط، بينما يُنتظر تسليم غواصتين جديدتين، “كوزمي غارسيا” و”ماتيو غارسيا دي لوس رييس”، لاستكمال السلسلة.
لا يقتصر تأثير برنامج S-80 على المستوى الإسباني: بل إنه يعزز دور إسبانيا للتموقع البحري في جنوب أوروبا وعلى الجبهة الأطلسية للحلف الأطلسي. وبذلك، تسعى مدريد لتأمين موقعها في الساحة البحرية الدولية في وقت يشهد توترات جيوسياسية عالية في البحر الأبيض المتوسط والشرق الأوسط.