توفيق سليماني
أطفال اليوم هم شباب الغد. قاصرو اليوم هم رجال الغد. لن نستورد أطفالًا أو قاصرين من الخارج، والطفل لا يتغير في سبعة أيام أو شهر أو بنقرة رقمية. إننا بحاجة إلى بناء الإنسان أولًا وقبل كل شيء. لكن يجب أن نكون واقعيين، وأن نلتزم بالحد الأدنى من التواضع لوضع الأصبع على مكمن الخلل، فبدون تشخيص دقيق لن يكون هناك علاج. أما “إصلاح الإصلاح” فتلك أسطوانة لم تعد تقنع هذا الجيل، الذي لا يفهم لغة التراكمات، بل استيقظ فجأة مطالبًا بحلول وعلاج لأعطاب بنيوية عميقة.
سياق هذا المقال هو المعطيات والإحصائيات التي قدمتها وزارة الداخلية المغربية بخصوص الفئة العمرية التي شاركت في أعمال الشغب والتخريب في بعض المناطق، خاصة القليعة واشتوكة آيت باها. والحقيقة أن وزارة الداخلية تُشكر على هذه الأرقام، لأنها تؤكد أن المنظومة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتربوية والتعليمية والأسرية معطوبة.
ماذا يعني أن تصل نسبة مشاركة القاصرين في هذه الأعمال إلى 70 في المائة، بل إلى 100 في المائة في مناطق أخرى؟ هذا يعني أن المجتمع والمدرسة والإعدادية والثانوية والبيت جميعها فقدت السيطرة، وأن السفينة لم يعد أحد يمسك بدفتها. وليس ذلك بغريب، فنحن نعاينه يوميًا، ومع ذلك نختار أن ننظر إلى الجهة الأخرى hacer la vista gorda. أطفال لا يستطيعون تركيب جملة دون أن تتخللها ألفاظ ساقطة، وأضعف الإيمان أنك لا تستطيع سماعهم إذا كنت بصحبة من تحترمهم. أطفال لم يعد المعلّم بالنسبة إليهم ذلك الشخص الذي كنا نناديه بـ “سي فلان” إلى يومنا هذا مهما كبرنا أو تغيّرت مواقعنا. أطفال يسهرون حتى ساعات متأخرة من الليل، خصوصًا في الأعراس. أطفال إن خاطبتهم سمعت ما لا يرضيك. هذا واقع نراه جميعًا، لكن لا أحد يريد أن يفكر فيه بجدية.
في نهاية المطاف، الطفل طفل، والقاصر قاصر، يولد صفحة بيضاء، لكن المجتمع بأسره يساهم في جعله كما هو. كلنا مسؤولون. والطفل، بطبيعته، لا يدرك أن اللعب بالنار خطر، خاصة إذا نشأ في وسط فقير وصعب. يكفي أن ننظر إلى المناطق التي شهدت هذه الأحداث: آباء يشتغلون في الضيعات الفلاحية من الفجر إلى العصر مقابل دراهم معدودة، يعودون منهكين ليستعدوا ليوم جديد، فيما يُترك الأطفال للقدر. لكن لا ينبغي أن نُحمّل الأسرة وحدها المسؤولية؛ علينا أن نتساءل: كيف وصلت الأسرة أصلًا إلى هذا الوضع؟ المشكل بنيوي عميق.
هنا يحسن التذكير بكلمات حكيمة للرئيس السابق لدولة الأوروغواي، الذي لُقّب بـ”أفقر رئيس في العالم”، الراحل بيبي موخيكا، حين خاطب جيل Z قائلًا إنهم أصبحوا “أقل إصغاءً، وإن لم يكن ذلك ذنبهم”.
موخيكا، الذي قال هذا الكلام سنة 2024 قبل وفاته هذا العام، شخّص جزءًا من أعطاب الجيل الجديد، والتي زادتها السياسات المتبعة تفاقمًا. قال: “إنه ذنب واقعٍ لا يتيح له أن يحلم، بينما يحتاج المرء في شبابه إلى شيءٍ من الطوباوية، إلى الإيمان بشيءٍ ما. فالعالم اليوم لا يحفّز نفوس الشباب. إنهم يتيهون في الاستهلاك الجارف أو كثيرًا ما يضيعون في عتمة الوحدة”.
ما رأيناه يوم أمس الأربعاء — وأتمنى ألا يتكرر حفاظًا على هذا البلد العظيم — مرفوض ومدان وغير مقبول. لكنه في الوقت نفسه تحصيل حاصل ونتيجة مباشرة لسياسة تعليمية وتربوية وتوجيهية وإعلامية، حان الوقت لإعادة النظر فيها والبدء في تغييرها.