في إطار التوجيهات الملكية الرامية إلى جعل البرلمان رافعة للدبلوماسية المغربية، وضع محمد ولد الرشيد، رئيس مجلس المستشارين، رؤية متجددة للدبلوماسية البرلمانية تقوم على تعزيز التعاون الثنائي والمتعدد الأطراف، مع جعل الدفاع عن الوحدة الترابية وملف الصحراء المغربية في صدارة الأولويات.
استثمر المجلس منصات التعاون جنوب–جنوب، خاصة مع وسط إفريقيا وأمريكا اللاتينية، من خلال منتديات اقتصادية وحوارية جمعت برلمانيين وفاعلين اقتصاديين، وعززت حضور المغرب في القارة الإفريقية وفي أمريكا اللاتينية.
كما كثف المجلس التحركات الثنائية مع برلمانات دول عربية وإفريقية وآسيوية وأمريكية لاتينية، ما ترجم إلى اتفاقيات ومواقف داعمة للمبادرة المغربية للحكم الذاتي.
في الموازاة، عمل ولد الرشيد على تطوير البنية المؤسسية للمجلس وتأهيل كفاءاته الإدارية لمواكبة متطلبات العمل البرلماني والدبلوماسي الحديث، مما رسخ موقع المغرب كفاعل محوري في التعاون جنوب–جنوب وكصوت مؤثر في الساحة البرلمانية الدولية.

1. تعزيز الدبلوماسية البرلمانية: استراتيجية وطنية متقدمة
منذ انتخابه رئيسا لمجلس المستشارين، حرص ولد الرشيد على وضع الدبلوماسية البرلمانية في صلب الأولويات الوطنية، مستلهما توجيهات صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، التي تبرز أهمية البرلمان كرافعة أساسية في السياسة الخارجية. وقد برز ذلك جليا من خلال إعداد مخطط استراتيجي طموح لنصف الولاية 2024-2027، يرمي إلى توسيع آفاق التعاون البرلماني دوليا، والارتقاء بالدبلوماسية البرلمانية إلى مستوى يتماشى مع التحديات الراهنة.

المقاربة التي تبناها اعتمدت على تقوية التعاون الثنائي والمتعدد الأطراف، مع تركيز خاص على القضايا الوطنية الاستراتيجية، وعلى رأسها ملف الصحراء المغربية. فقد عمل ولد الرشيد على تعميق الدعم الدولي للمبادرة المقدامة للحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية، عبر تحريك أدوات البرلمان على المستويين الإقليمي والدولي، وتحويل هذا الملف إلى ورقة قوية ضمن منظومة الدبلوماسية المغربية.
لقد مكنت هذه الاستراتيجية مجلس المستشارين من لعب دور محوري في توسيع شبكة الشراكات البرلمانية، ما عزز من حضور المغرب في منتديات دولية وإقليمية متعددة، وأكسبه سمعة رائدة في مجال الدبلوماسية البرلمانية جنوب-جنوب، وفي إفريقيا بصفة خاصة.
كما شكلت المبادرات التي أطلقها المجلس تحت رئاسة ولد الرشيد ترجمة عملية للرؤية الملكية السامية، والتي تسعى إلى تحفيز التعاون الاقتصادي والسياسي بين المغرب ودول الجنوب، خصوصا وسط إفريقيا وأمريكا اللاتينية، مما يعكس توجه المغرب نحو بناء جسور متينة تتجاوز العلاقات التقليدية.
في الوقت نفسه، جاءت هذه الاستراتيجية البرلمانية في إطار انسجام تام مع الدينامية الاقتصادية والتشريعية التي تعرفها المملكة، حيث يلعب المجلس دور المنسق بين المبادرات الملكية والتنفيذ البرلماني، مما يضمن فعالية مضاعفة في تحقيق الأهداف الوطنية.
2. منتديات برلمانية رائدة: إطار حيوي لتعزيز التعاون جنوب-جنوب
شهدت ولاية ولد الرشيد تنظيم منتديات برلمانية نوعية، كانت بمثابة منصات استراتيجية لتوطيد علاقات التعاون جنوب-جنوب، وتحديدا مع دول وسط إفريقيا وأمريكا اللاتينية. من أبرز هذه المنتديات، المنتدى البرلماني للتعاون الاقتصادي بين المغرب وبرلمان المجموعة الاقتصادية والنقدية لوسط إفريقيا (سيماك)، الذي يمثل خطوة مبتكرة في تجسيد التعاون الاقتصادي والسياسي جنوب-جنوب.

تميز هذا المنتدى بشراكة قوية مع الاتحاد العام لمقاولات المغرب، مما يبرز التقاء الأهداف الاقتصادية مع البعد البرلماني. كما عزز المنتدى فرص تبادل الرؤى بين البرلمانيين ورجال الأعمال، لبلورة مشاريع تنموية مشتركة في إطار اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية (ZLECAF).
كما احتضن المجلس النسخة الثالثة لمنتدى الحوار البرلماني جنوب-جنوب، الذي جمع ما يزيد على أربعين دولة إفريقية وعربية، في خطوة تعزز أدوار الحوار بين البرلمانات الإقليمية وتدعم السلم والاستقرار والتنمية المستدامة. هذه المنصة تؤكد قدرة المغرب على جمع الأطراف المختلفة في إطار مشترك يتجاوز الحدود الجغرافية.
ولم تقتصر المبادرات على إفريقيا فقط، بل شملت أيضا توطيد التعاون البرلماني مع أمريكا اللاتينية من خلال منتدى أفرولاك، الذي ناقش قضايا الأمن الغذائي والتغيرات المناخية والتنمية المستدامة، معززا بذلك الحوار بين قارتين تلتقيان في رؤية التنمية الشاملة.

وتعكس هذه المبادرات سياسة برلمانية تفاعلية وعملية، تستجيب لآفاق جديدة في العلاقات الدولية، وتسعى إلى بناء شراكات تتخطى النمط التقليدي، من خلال التركيز على المشاريع المشتركة التي تحقق منافع متبادلة.
3. حوارات دولية متميزة: تعزيز العلاقات الثنائية والدعم الدولي
في إطار دبلوماسيته النشطة، حرص ولد الرشيد على تقوية العلاقات الثنائية مع برلمانات ودول ذات ثقل استراتيجي، حيث استقبل المجلس وفودا من باكستان ونيجيريا والبحرين والسعودية والأردن، وفتح قنوات حوار مستمرة مع مسؤولين وبرلمانيين من هذه الدول. هذه التحركات تعكس إرادة قوية لتعميق التعاون السياسي والاقتصادي في ظل متغيرات عالمية متسارعة.

لقد تكللت هذه اللقاءات بإبرام اتفاقيات ومذكرات تفاهم تؤطر العمل المشترك في مختلف المجالات، من التجارة إلى الاستثمار، وصولا إلى التعاون الأمني والتنمية الاجتماعية، مع التركيز على الأقاليم الجنوبية التي باتت محور اهتمام للاستثمار والتنمية.
على الصعيد الدولي، مثل حضور مجلس المستشارين في فعاليات كبرى مثل الجمعية البرلمانية الأورو-لاتينية، ومؤتمرات الاتحاد البرلماني الإفريقي، ومنتديات الاتحاد من أجل المتوسط، إشارة واضحة على الدور المتنامي للمغرب في الدبلوماسية البرلمانية متعددة الأطراف، ما يترجم مكانته كعنصر توازن واستقرار في القارات المختلفة.

كما ساهمت هذه الدينامية في إحداث تأثير إيجابي على المواقف الدولية تجاه القضية الوطنية، حيث حظي المغرب بدعم واسع للمبادرة المغربية للحكم الذاتي، وهو ما عزز من شرعية موقفه على الساحة الدولية.
وتجسدت السياسة الثنائية أيضا في التنسيق مع دول أمريكا الوسطى، التي أعادت تأكيد موقفها الداعم لوحدة المغرب الترابية، عبر منتديات واجتماعات استضافها مجلس المستشارين، مؤكدين أن المغرب شريك استراتيجي في المنطقة، ورافعة أساسية للتعاون جنوب-جنوب.

4. بناء مؤسسي متين: تأهيل الكفاءات وتعزيز فعالية البرلمان المغربي
لم تقتصر سياسات ولد الرشيد على الجانب الخارجي فحسب، بل شملت أيضا تعزيز القدرات المؤسسية لمجلس المستشارين، عبر بناء رأسمال بشري إداري متخصص قادر على مواكبة التحولات والتحديات المتجددة. فقد تم تأسيس شبكة الأمناء العامين للمنتدى البرلماني جنوب-جنوب، التي تندرج ضمن جهود تطوير الأداء المؤسسي، مما يعزز جاهزية المجلس لمواجهة متطلبات العمل الدبلوماسي الحديث.

كما تم التركيز على تطوير آليات التواصل مع البرلمانات الإقليمية والدولية، وتحسين أساليب العمل التشريعي والتنسيق بين مختلف الفاعلين داخل المجلس، بما يضمن فعالية أكبر في متابعة ملفات التعاون الدولي والتنمية.
هذه السياسة المؤسسية تعكس فهما عميقا لأهمية تحديث المؤسسة البرلمانية لتواكب ديناميات العصر، وتستجيب بمرونة لاحتياجات المغرب الوطنية والإقليمية والدولية.

ختاما، من خلال هذه المبادرات والديناميات المتجددة التي يقودها ولد الرشيد، يتجلى بوضوح كيف أصبحت الدبلوماسية البرلمانية المغربية أداة فعالة لتعزيز مكانة المغرب إقليمياً ودولياً. عبر بناء شراكات استراتيجية متينة، والدفاع الحازم عن القضايا الوطنية، وتطوير البنية المؤسسية للمجلس، يثبت المغرب مرة أخرى مكانته كفاعل دبلوماسي مؤثر وقادر على لعب دور ريادي في تعزيز التعاون جنوب-جنوب، وتحقيق التنمية المستدامة والسلام على المستويات الإقليمية والعالمية.