رغم الانخفاض الطفيف المسجل في الأرقام الرسمية، ما تزال جرائم الكراهية بدافع العنصرية ورهاب الأجانب تحتل الصدارة في إسبانيا. هذا ما جاء في تقرير رسمي إسباني نشر اليوم الجمعة حول تطور جرائم وحوادث الكراهية في إسبانيا لسنة 2024. وقد أورد التقرير الذي نشرته وزارة الداخلية الإسبانية ما مجموعه 1.955 جريمة وحادثة كراهية جرى التحقيق فيها من قبل أجهزة الأمن، وهو ما يمثل انخفاضًا بنسبة 13,8% مقارنة بالسنة الماضية.
ومع ذلك، خلف هذه المعطيات يمكن رصد حقيقة مستمرة تؤثر بشكل مباشر ودائم على آلاف المواطنين المغاربة بإسبانيا. وتدفع أزمة توري باتشيكو (مورسيا)، حيث يندد عدد من السكان بممارسات تعسفية وعنصرية وعداء للأجانب وعنف ووصم اجتماعي، إلى طرح مشكلة “الموروفوبيا” ضمن المنظومة السياسية والإعلامية الإسبانية، و”الموروفوبيا”، هي ظاهرة “رهاب المغاربيين”، أو “كراهية المغاربيين”، مع أن هناك من يدقق العبارة ويحصرها في “كراهية المغاربة”.
بـ804 حالات مسجلة، شكلت جرائم الكراهية بدافع العنصرية ورهاب الأجانب النوع الأكثر عددًا سنة 2024، تليها الجرائم المرتبطة بالتوجه الجنسي والهوية الجندرية (528) والتمييز القائم على الجنس أو النوع الاجتماعي (181). ورغم أن وزارة الداخلية أدرجت لأول مرة في تقريرها جرائم الإسلاموفوبيا — بـ13 حالة فقط موثقة — إلا أن هذه الظاهرة ما تزال ممثلة بشكل ضعيف. والأخطر من ذلك أن مصطلح “الموروفوبيا”، الذي يشير تحديدًا إلى الكراهية والرفض تجاه ما هو مغاربي أو مغربي، لا يُعترف به حتى مظهر مستقل وجب رصده، رغم كونه أحد أكثر أشكال العنصرية اليومية انتشارًا في إسبانيا.
ويُعد المغاربة، من حيث الجنسيات الأجنبية، الفئة الأجنبية الأكثر تضررًا من هذا النوع من الجرائم، وهو معطى يعكس ما يحدث أيضًا في منطقة مورسيا ويدعو إلى اتخاذ إجراءات عاجلة. وقالت وزارة الداخلية الإسبانية اليوم الجمعة: “فيما يخص توزيع الضحايا حسب الجنسية، تحتل الجنسية الإسبانية المرتبة الأولى بنسبة 60,1% من مجموع الضحايا المسجلين. ومن بين الضحايا من جنسية أجنبية، تحتل الجنسية المغربية المرتبة الأعلى بنسبة 8,8%، تليها كولومبيا بنسبة 5,3%”.
وفي مناطق مثل مورسيا، حيث تلعب مجتمعات كالمغربية دورًا محوريًا في النسيج الاقتصادي والفلاحي، تزايد الاستهداف في السنوات الأخيرة. وتحولت توري باتشيكو إلى حالة نموذجية: خطابات عامة تُجرّم الأجانب، وسردية إعلامية تربط بشكل منهجي الهجرة المغربية بالإجرام أو بانعدام الأمن. كل هذا يُغذي دوامة من الوصم، غالبًا ما تُصبح أمراً طبيعيًا ومألوفًا.
وفي نفس السياق، تواصل “الموروفوبيا” التوسع في سياق سياسي مشحون، حيث يجد بعض المعلّقين والصحفيين والشخصيات العمومية في المغرب هدفًا متكررًا لخطاباتهم التحريضية. من المنابر التلفزيونية إلى مواقع التواصل الاجتماعي، يتحول المغرب وجاليته في إسبانيا إلى موضوع للشبهات أو السخرية أو الازدراء، غالبًا في ظل إفلات مقلق من العقاب. أزمة توري باتشيكو أظهرت أن مجموعة من المنار الإعلامية، مثل إلباييس والقناة السادسة، دافعت بشكل كبير عن المهاجر ووقفت ضد مطاردة المغاربة في مورسيا، لكن هذا الخط التحريري يجب أن يتواصل وليس مجرد موقف فرضه السياق الحالي.
حسب التوزيع الجغرافي، سجّلت منطقة نافارا أعلى معدل لجرائم وحوادث الكراهية لكل 100.000 نسمة (14)، تليها منطقة الباسك (10,8) ومدينتي سبتة (8,4) ومليلية (8,1). أما من حيث نوع الجرائم، فتُعد الاعتداءات الجسدية (385 حالة) والتهديدات (358) أكثر أشكال العنف شيوعًا، إلى جانب التحريض على التمييز (217)، المعاملة المهينة (107)، والشتائم (106).
وفي مواجهة هذا الواقع، تطالب العديد من الأصوات المغربية والإسبانية إلى اعتبار ”الموروفوبيا” كشكل محدد من الكراهية يستحق الاهتمام المؤسساتي والرد والردع القانوني المناسب. الأصوات نفسها تقول إن “ما لا يُسمّى لا يمكن محاربته”.
ومع توسع خطاب الكراهية دون السقوط في التعميم، لا يتمثل التحدي أمام المجتمع الإسباني فقط في خفض الأرقام، بل في مواجهة جذور العنصرية بشكل حاسم. لأنه، بينما تتراجع الإحصاءات، لا يزال الخوف وانعدام الثقة تجاه “الآخر” — حين يكون هذا الآخر مغربيًا، في الغالب — في تصاعد مستمر.
وعليه يجب أن تكون أزمة “توري باتشيكو”، أو “برج باتشيكو”، نسبة إلى لويس دي باتشيكو، عميد كاتدرائية مورسيا وقسيس الملك فيليب الثالث، الذي أمر سنة 1603، ببناء كنيسة صغيرة في نفس المكان، منطلقا للتفكير في تحويل هذا البرج إلى مكان للتعايش، وفي باقي المناطق الإسبانية. وأمر بناء الكنسية جاء بعد طرد المسلمين/ الموريسكيين من إسبانيا. مع ذلك فإن تواجد المغاربة في هذه المنطقة يعود إلى القرن الثامن، وربما حتى قبل. ولهذا فإن ما حدث في هذه المنطقة مؤخراً يعد فرصة للبحث عن كيفية تعزيز التعايش منذ قرون في إسبانيا وفي منطقة مورسيا.