20 يونيو 2026 / 00:12

بيت الصحافة

ليس مجرد لقاء في بروكسيل

مارس 30 - 14 يوليو 2025

في لحظة جيوسياسية تتسم بعدم اليقين وإعادة تشكيل التحالفات الاستراتيجية، يواصل المغرب رهانه على دبلوماسية نشطة وهادئة وحازمة في الوقت نفسه. فقد شارك وزير الشؤون الخارجية ناصر بوريطة، يوم الإثنين 14 يوليوز، في بروكسيل، في الاجتماع الوزاري بين الاتحاد الأوروبي وبلدان الجوار الجنوبي، وهو فضاء حواري محوري بين بلدان شمال وجنوب البحر الأبيض المتوسط. وعلى هامش هذا اللقاء، عقد بوريطة اجتماعاً ثنائياً مع نظيره الإسباني خوسيه مانويل ألباريس. إنه أكثر من مجرد لقاء، بل هو بمثابة إعلان نوايا وترسيخ للشراكة المتفق عليها منذ أبريل 2022.

ورغم عدم الكشف عن تفاصيل المشاركة ولا عن مضمون اللقاء الثنائي، فإن مجرد لقاء المسؤولَين الدبلوماسيين وجهاً لوجه في بروكسيل يحمل بُعداً خاصاً، بالنظر إلى السياق السياسي والاجتماعي الذي تمر به العلاقات المغربية الإسبانية. وقد نشر ألباريس مساء اليوم تغريدة عبر حسابه على منصة “إكس”، قال فيها: “على هامش الاجتماع الوزاري للاتحاد الأوروبي وبلدان الجوار الجنوبي، التقيتُ بنظيري المغربي ناصر بوريطة. ناقشنا تعزيز علاقاتنا الثنائية، بما في ذلك مسألة الجمارك. كما تطرقنا إلى العلاقة بين الاتحاد الأوروبي والمغرب”.

الجمارك، سبتة ومليلية: الحدود كجسر

واحدة من القضايا التي تحوم بالضرورة حول أي حوار مغربي-إسباني في الوقت الراهن هي مسألة الجمارك التجارية في سبتة ومليلية. وقد أكد الوزير ألباريس اليوم أن هذه الجمارك “ليست مغلقة بشكل نهائي”، بل لأسباب تقنية مرتبطة بعملية عبور المضيق التي تعرف توافد ملايين المغاربة على مختلف المدن المغربية، وأن إعادة فتحها لا تزال “ضمن الاتفاق” الموقع في أبريل 2022.

ويأتي هذا اللقاء بين بوريطة وألباريس في وقت يعاود فيه بعض الفاعلين السياسيين في إسبانيا استغلال هذا الملف لأغراض داخلية. لكن، في مواجهة هذه الضوضاء والضغوط الإعلامية، يواصل المغرب وإسبانيا توطيد علاقاتهما. فالحدود ينبغي أن تتحول إلى جسور تتجاوز الحواجز الذهنية التي تزرعها أطراف في أقصى اليمين الإسباني.

طورّي باشيكو: الجبهة الأخرى

ويُسجَّل هذا اللقاء أيضاً في لحظة مؤلمة بالنسبة للعديد من العائلات المغربية المقيمة في إسبانيا، والتي لا تزال تحت وقع الصدمة بسبب أعمال العنف العنصري التي وقعت مؤخراً في طورّي باشيكو، بمدينة مورسيا. فقد تعرّض شبان مغاربيون لهجمات عنيفة وعنصرية من قبل جماعات تغذيها خطابات الكراهية والمعلومات المضللة. وقد انتشرت هذه الصور على نطاق واسع في الشبكات الاجتماعية ووسائل الإعلام الدولية، كاشفةً عن شرخ اجتماعي وملحةً على ضرورة التوصل إلى ميثاق جديد للتعايش في إسبانيا.

والمغرب يتابع هذه الأحداث بقلق بالغ. فالأمر لا يقتصر على اعتداءات فردية، بل يعكس سردية خطيرة إذا لم يتم احتواؤها، فقد تُقوّض عقوداً من العلاقات الإنسانية والثقافية والاقتصادية بين ضفتي المتوسط.

لحظة لتأكيد التعاون القائم على القيم

في هذا السياق المعقّد، لا تُعتبر مشاركة بوريطة في اجتماع الجوار الجنوبي ولقاؤه بألباريس مجرد خطوات بروتوكولية، بل هي أفعال دبلوماسية ترسّخ الحضور وتفتح آفاقاً جديدة. فالمغرب لا يسعى فقط إلى مزيد من التعاون، بل يطالب بتعاون عادل ومحترم ومتّسق مع التحديات الحقيقية للقرن الحادي والعشرين: التنقل، الكرامة، التنمية المشتركة، ومحاربة خطاب الكراهية.

على أوروبا أن تقرر: هل تريد جواراً فعالاً قائماً على الاستقرار والأمن والمصالح مشتركة أم أن هناك جوار آخر يغذي عدم الاستقرار والانفصال؟ المغرب، على الأقل، أوضح موقفه، داعيا إلى جوار الاستقرار، مع الاحترام، ومع بناء مستقبل مشترك يتجاوز الحدود، سواء كانت مادية أو ذهنية.

التصنيف : اسبانيا المغرب