20 يونيو 2026 / 03:03

بيت الصحافة

هل هي بداية نهاية حكم الاشتراكيين في إسبانيا؟

مارس 30 - 14 يوليو 2025

لحبيب شباط*

يمر الرئيس الاسباني وزعيم الحزب الاشتراكي بيدرو سانشيز بأزمة غير مسبوقة في تاريخ الحزب نتيجة بروز تقرير عن الشرطة القضائية التي توثق لفساد مستقر في دائرته المقربة داخل الحزب، اصطلح عليه سانشيز المثلث السام المتمثل في خوصي ليوس أبلوس وزير التجهيز و الكاتب التنظيمي إلى حد قريب  و مساعديه كولدوا غارسيا و راس المثلث سانتوس سيردان اخر كاتب تنظيمي و الرجل الثاني داخل الحزب. هذا الثلاثي متهم بتلاقي رشاوي مقابل تسهيل صفقات عمومية، أولى المعطيات تشير على انهم يمكن أن يكونوا قد تلقوا أزيد من 600 الف يورو خصوصا من قطاع التجهيز. نتيجة لهذه الأبحاث القضائية وضع الرجل الثاني السابق في الحزب سيردان في السجن في انتظار اكتمال التحقيق معه و مع باقي عناصر المثلث. ما وقع هو بمثابة زلزال سياسي رداته تجاوزت الحزب الاشتراكي إلى قلب الحكومة الإسبانية. الحزب يدخل في صدمة كبيرة لا ينفع معها تقديم حلولا ترقيعية و لا تقديم اعتذارا لمنخرطي و متعاطفي الحزب بل تحتاج إلى  تغييرات جذرية و هيكلية في كيفية مواجهة و الحد من ظاهرة الفساد الذي ينخر المؤسسات الحزبية و الإدارة العمومية.

رد الاشتراكيين لم ينتظر كثيرا حيث عقد اجتماعا استثنائيا لبرلمان الحزب يوم ٥ يوليوز و الذي شاهد نقاشا حدا خصوصا المعارضة الشرسة لسياسة سانشيز من طرف زعيم الحزب بجهة كستيا لمنشا . على إثر هذا الاجتماع الذي دام أزيد من ثماني ساعات تمت المصادقة على عدة تدابير تتعلق بالتسيير الإداري اليومي للحزب، في هذا السياق، أعلن سانشيز عن تعديل في النظام الأساسي للحزب، يتضمن ما يصل إلى 13 تدبيرًا ليس فقط لـ”الوقاية” من الفساد، بل أيضًا لـ”مكافحته”.

أول هذه التدابير هو “تعزيز توازن السلطات داخل الحزب”، من خلال إنشاء مناصب جماعية، إلى جانب فرض شرط التوقيع المزدوج في المسائل الحساسة. وبهذه الطريقة، سيتم تفادي التركيز المفرط للسلطة بوضع آليات للرقابة المتبادلة.

 

أما الخط الثاني من التدابير فيتمثل في تقليص المدة الزمنية اللازمة للحسم في الملفات التأديبية داخل الحزب. وبالتوازي، سيكون على مسؤولي الحزب تقديم إقرارات عن ممتلكاتهم وأنشطتهم إلى اللجان الأخلاقية الإقليمية، والتي بدورها ستحيلها إلى اللجنة الأخلاقية الفيدرالية. و سيتم أيضًا إطلاق عمليات تفتيش عشوائية على الثروات.

 

من جهة اخرى سيتم “تعزيز” دور هذه اللجنة الأخلاقية، حيث ستتلقى نسخًا من جميع البلاغات المقدمة عبر قناة الشكاوى. وستكون مكلفة بإعداد تقارير حول هذه المسائل، وستُمنح السلطة للتحرك من تلقاء نفسها إذا وُجدت مؤشرات على وقوع حالات تحرش، مع تحسين البروتوكول الخاص بمكافحة التحرش كذلك.هذا التدبير كان نتيجة مباشرة لاستقالة أحد مقربي سانشيز في مقر الرءساة بعد شكاوي التحرش الجنسي من طرف أحد الموظفات.

 

من ناحية أخرى، سيتم تحديث بوابة الشفافية، لتتضمن الميزانيات، والمساعدات، والمنح، و الاتفاقيات، و المكافآت التي يتقاضاها الفريق. وهو إجراء يتماشى مع إقرار “بروتوكول لمكافحة الاحتيال والفساد”، والذي اقترحه الحزب الاشتراكي الكتالوني.

 

كذلك الحزب تعديل  مدونته الأخلاقية ليتمكن من طرد الأعضاء الذين يتعاطون مع البغاء، في إشارة إلى “التسجيلات الفاضحة” بين خوسيه لويس أبالوس ومستشاره السابق كولدو غارثيا.

خلال هذا الاجتماع الهام، فقد تحمل سانشيز مسؤولية أفعال وزير النقل السابق وآخر كاتبه للتنظيم، بسبب فشله في كشف ممارساتهم في الوقت المناسب. و صرح “لقد ارتكبنا أخطاء، ولسنا مثاليين، نحن بشر. وأنا أولهم وأعظم خطئي كان الثقة في من لا يجب الثقة بهم”، قال في ختام الاجتماع، أن التزامه بمحاربة الفساد هو “كامل ومطلق” و”بغض النظر عن مصدره”، في تمييز واضح عن الحزب الشعبي الذي ما فتئ يتستر عن فضائح الفساد التي تنخر جسمه منذ عقود.

لكن كل هذه الإجراءات ليست كافية لطي هذا الملف لا داخل الحزب ولا  خارجه. الأحزاب المتحالفة مع الاشتراكيين في البرلمان بالإضافة إلى الحزب الشعبي المعارض فرضت على سانشيز المثول في جلسة عامة بالكونغرس يوم ٩ يوليوز  تتعلق بشكل خاص بفضيحة الفساد التي يقف من وراءها مقربي سانشيز.

 

في تلك الجلسة استهل سانتشيز كلمته بتكرار اعتذاره للمواطنين بشأن هذه القضية، قائلاً: “المسؤول عن الجرائم هو من يرتكبها، وهذا من اختصاص القضاء تحديده، لكنني أنا، باعتباري الشخص الذي عينهم، أتحمل جزءاً من المسؤولية، وأعترف بذلك”. وأكد أنه سياسي “نزيه” وأنه “لن يستسلم”.

 

الجلسة شهدت مشدات كلامية و اتهامات خطيرة لم يعرفها البرلمان الاسباني من قبل بين بيدرو سانشيز و زعيم الحزب الشعبي البيرتو نونيز فيخو ذروته في هذه الجلسة.

رئيس الحكومة عاتب زعيم الحزب الشعبي على صداقته القديمة مع “أشهر مهرب مخدرات في غاليسيا”، في إشارة إلى مارسيال دورادو. وقال سانشيز مؤكدًا:”من بين كل الحاضرين اليوم، الشخص الوحيد الذي حافظ على علاقة وثيقة مع مجرم مدان هو أنت.”

زعيم المعارضة تلقى الضربة، ورد بغضب شديد مهاجما:”ولكن من أي بيوت دعارة كنت تعيش؟” قالها موجها كلامه ل سانشيز، في إشارة إلى الأعمال المشبوهة المزعومة لوالد زوجته. ووفقا للحزب الشعبي، فإن وجود “ساونا” مرتبطة بوالد زوجته المتوفي يجعل من الرئيس “صهر قواد”.

بهذه العبارات الدنيئة اختتم النقاش بين الحزبين. في وقت تفاعلت الأحزاب اليسارية بشكل ايجابي مع إعلان رءيس الحكومة، بيدرو سانتشيز خطة الدولة لمكافحة الفساد.

ذات الخطة وصفها سانتشيز “طموحة، واقعية، وصادقة”، مشيرًا إلى أنها تم إعدادها بالتعاون مع قسم مكافحة الفساد والنزاهة والحكم في منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD)، وذلك بعد عقد اجتماعات مع المجموعات البرلمانية وخبراء من المجتمع المدني. وتتكون الخطة من خمسة محاور تشمل ما مجموعه 15 إجراءً.

– وكالة عامة جديدة لمكافحة الفساد

يركز المحور الأول من الخطة على منع الجرائم وتعزيز آليات الرقابة، ويشمل إنشاء وكالة مستقلة للنزاهة العامة، تتولى مهام رئيسية في الوقاية والمراقبة والملاحقة القانونية للممارسات الفاسدة.

وسيتم أيضًا تعميم منهجية منع الاحتيال، المستخدمة لتشمل جميع أجهزة الإدارة الحكومية. كما سيتم إدخال تطبيقات الذكاء الاصطناعي في منصة التعاقدات العامة لرصد مؤشرات الفساد.

و كذلك سيتم فرض أنظمة امتثال لمكافحة الفساد على الشركات الراغبة في التعاقد مع الإدارات العمومية، إضافة إلى تعزيز الرقابة على الأحزاب السياسية لضمان إدارتها للموارد العامة بأعلى معايير الشفافية والنزاهة.

كما تقترح الخطة إلزام الأحزاب ومؤسساتها التابعة، التي تتلقى تمويلاً عموميا يزيد عن 50,000 يورو، بإجراء تدقيقات خارجية ومستقلة، إلى جانب خفض حد نشر التبرعات إلى 2,500 يورو، وتقليص المدة الزمنية للنشر إلى شهر واحد من تاريخ الاستلام.

– حماية المُبلّغين وتشديد العقوبات

يركز المحور الثاني على حماية الأشخاص الذين يتقدمون للإبلاغ عن حالات الفساد المحتملة. وأكد سانتشيز في هذه النقطة أن:
“في ديمقراطية ناضجة، لا يُعاقب من يبلغ عن الفساد، بل يُستمع إليه، ويُحمى، ويُدعم”، معتبراً أن القانون رقم 2/2023 لحماية المُبلغين غير كافٍ في هذا المجال.

لذلك، تقترح الخطة تضمين قانون الإجراءات الجنائية الجديد بنداً يضمن السرية الكاملة والحماية والدعم القانوني لأي شخص يبلغ عن قضايا فساد أمام النيابة أو الشرطة أو القضاة. كما سيتم إلزام الشركات بإنشاء قنوات داخلية للإبلاغ، وفرض تطبيق هذه القنوات على جميع الإدارات العامومية ضمن نظام مؤسسي شامل للنزاهة.
–  تعزيز قدرة الدولة على العقاب

في المحور الثالث، تشمل الإجراءات تعزيز قدرة الدولة على التحقيق والعقاب، ومن بينها إنشاء أقسام متخصصة في الجرائم ضد الإدارة العمومية ضمن المحاكم الجديدة، وتفعيل إجراءات مستعجلة في القضايا التي تشمل مسؤولين عموميين.

وقال سانتشيز في هذا الباب:
“إذا أردنا القضاء على الفساد، علينا ملاحقة الفاسدين… ولكن أيضًا من يُفسدهم”، وأضاف:
“وراء كل رشوة، هناك من يدفع، كما هناك من يتلقى”.

وتتضمن الخطة تشديد العقوبات في القانون الجنائي للجرائم ضد الإدارة العمومية، ومضاعفة فترات التقادم، ورفع الغرامات على الشركات الفاسدة بناءً على دخلها السنوي. كما سيتم إنشاء “قائمة سوداء” للشركات المُدانة بالفساد، لمنعها من التعاقد مع الدولة.

ـ استرداد الأموال المنهوبة وتعزيز ثقافة النزاهة

في المحورين الرابع والخامس، تتضمن الخطة تدابير لاسترداد الأموال المنهوبة وتعزيز “ثقافة النزاهة” داخل المؤسسات العامة وبين المواطنين والقطاع الخاص.

ومن أجل إعادة ما هو ملك للجميع إلى المجال العام، سيتم زيادة الموارد البشرية واللوجستية لمكتب استرداد وإدارة الأصول، وإنشاء آلية “المصادرة الإدارية أو الوقائية”، التي تسمح بمصادرة أصول مرتبطة بجرائم دون الحاجة إلى حكم قضائي نهائي، وخارج الإطار الجنائي فقط.

كما سيتم تنفيذ دراسات استطلاعية، وإطلاق حملات توعية عامة، وتكثيف تدريب الموظفين العموميين لتعزيز ثقافة النزاهة.

ـ آلية التقييم والمتابعة

الخطة تتضمن إنشاء نظام لتقييم الأداء، يعرض نتائج التقدم المحرز بعد 12 و24 شهراً من بدء التنفيذ. وختم سانشيز  كلمته في طرح الخطة قائلاً:
“سنتجاوز أزمة الفساد بالأفعال، وبالإجراءات، وبالإصلاحات والتحولات الهيكلية التي ستقوي ديمقراطيتنا وتحمي مؤسساتنا من طمع بعض الأفراد”.

في المقابل، طالب فيخو قائلاً:
“كن نزيهًا، ارحل، قدم استقالتك، ادعُ إلى انتخابات ودع الشعب يتحدث.”
وذلك بعد أن سخر من “دروس التوعية” التي وعد بها سانشيز في خطته الوطنية لمكافحة الفساد.
هناك شبه اتفاق من جميع المحليين و المتتبعين الشأن الإسباني أن سانشيز تجاوز النقطة الحرجة بشكل جيد و يتجاوز المأزق ويحتفظ بالأغلبية مؤقتًا في مواجهة فيخو في مشهد سياسي جد مضطرب و يزداد تعدقدا يوم عن يوم، بعدما  كان الحزب الشعبي قد رفع سقف التوقعات أكثر من اللازم، وكانت النتيجة واضحة: سانشيز خرج أقوى، وفيخو أضعف، خصوصا أن جميع أحزاب التحالف البرلماني جددت دعمها للرءيس الاسباني و أعطته متنفس جديد بعدما كانت فترة ولايته شبه مهددة للسقوط قبل هذه الجلسة البرلمانية.حكومة سانشيز تدخل مرحلة جديدة قد تكون مليءة بقرارات جد مفاجئة في عدة مجالات هدفها تنزيل أجندة اجتماعية متنوعة قد تنسي الناخب اليساري غضبه على الاشتراكيين من جراء عمليات فساد المثلث السام داخل الحزب الاشتراكي.
سي .

———————————-

لحبيب شباط، خبير في الشأن الإسباني و عضو الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني

التصنيف : آراء