من تنريفي، وبنظرة ثاقبة نحو الجنوب، توجّه الأستاذة الجامعية الإسبانية مرافاييس أغير أغويلار، إحدى أبرز المتخصصات في اللغة والثقافة العربية في الفضاء الإسباني، رسالة واضحة: “المغرب ليس عدونا الطبيعي. المغرب هو جارنا الأكثر قربا منا”.
وفي سياق أوروبي تُشوّه فيه صورة المغاربة والمغاربيين، كما يحاول البعض الترويج له في منطقة باتشيكو طوري في منطقة مورسيا، في كثير من الخطابات، تشكّل كلمات أغوير تعبيرًا عن حس أكاديمي مسؤول ونضج فكري لافت. وتشغل مرافاييس منصب أستاذة جامعية في جامعة لالاغونا (ULL) بجزر الكناري، وتنتمي إلى نخبة أكاديمية لا تضم سوى 20 أستاذًا جامعيًا متخصصًا في اللغة العربية على صعيد إسبانيا، من بينهم سبع نساء فقط. وقد كرّست أغلب مسارها العلمي لدراسة الفكر العربي ما قبل الحداثة، واللغات الإسلامية، والعالم المغاربي، مع تركيز خاص على المغرب، الذي تزوره باستمرار.
التعاون الأكاديمي في مواجهة اللايقين السياسي
تتحدث مرافاييس بصوت الواثق: “هذا القرب الجغرافي يجب أن يدفع نحو التعاون لا نحو الصدام. فعندما نعقد لقاءات أكاديمية بين المغاربة والإسبان، نجد أنفسنا على نفس الموجة”، تقول في حديث خصّت به صحيفة دياريو دي أبيسوس.
وقد شاركت مؤخرًا في مؤتمر علمي بمدينة الدار البيضاء، نظّمه محمد جودة، أستاذ الأدب المعاصر بجامعة محمد الخامس بالرباط، حيث أكدت مجددًا جودة العلاقات الأكاديمية التي تجمع البلدين.
وتشير أغوير إلى أن الروابط المغربية الإسبانية لا تقتصر على الثقافة، بل تمتد إلى التجارة، والسياحة، والإعلام، ومواقع التواصل الاجتماعي، بل وحتى كرة القدم. وتضيف: “هذا النوع من العلاقات اليومية لا يربط المغرب بفرنسا، رغم الثقل المؤسساتي الذي تتمتع به هذه الأخيرة”.
الإرث الأمازيغي في جزر الكناري: جذور مشتركة
رؤية مرافاييس لا تقتصر على الحاضر. فقد دفعتها مسيرتها البحثية إلى الغوص في جذور العلاقات التاريخية التي جمعت بين شمال إفريقيا وجزر الكناري. وتقول دون تردّد إن أصل السكان الأوائل للجزر هو أمازيغي، وهو ما تؤكده معطيات أثرية وجينية ولسانية. “يُرجّح أن الأمازيغ وصلوا إلى لانزاروتي ما بين القرنين الأول والثالث الميلاديين، وهم أسلاف السكان الأصليين الذين صادفهم البحّارة الأوروبيون في العصور الوسطى”، توضح.
وتستشهد بالبروفيسور جوناثان سانتانا كابريرا، من جامعة لاس بالماس دي غران كناريا، لتؤكد أن “الاستيطان” الأمازيغي لجزر الكناري يمثّل الحالة الوحيدة الموثقة لتوسّع بحري قامت به مجتمعات أمازيغية في المحيط الأطلسي، ما يجعلها حالة استثنائية في التاريخ الإفريقي.
ومع ذلك، تعرب أغوير عن أسفها لما تعرّض له هذا الإرث من تدمير ممنهج خلال الغزو القشتالي للجزر، مما خلّف فراغًا كبيرًا في الوثائق والمصادر. إلا أن الدراسات الحديثة، كما تقول، تسمح اليوم بإعادة بناء هذه الجذور من منظور إفريقي، لا أوروبي فقط.
صوت يبني الجسور من جزر الكناري
لا تدرّس مرافاييس اللغة العربية الفصحى فقط، بل تُدرّس أيضًا الدارجة المغربية في جامعة لالاغونا، في إطار دورات تزداد شعبيتها عامًا بعد عام. ومن موقعها الأكاديمي، تنادي بضرورة إنشاء مسالك دراسية ومراصد مخصّصة لدراسات العالم العربي والإسلامي في جزر الكناري، من أجل تعزيز الروابط مع المغرب الكبير، وتصحيح الفجوة القائمة في هذا المجال. وتضيف: “حاليًا، لا يستطيع الخوض في هذه الدراسات إلا من يملك الإمكانيات المالية، ويجب أن يتغير هذا الواقع”.
في زمن يسود فيه التوتر والتأويلات والتقاطب، تبدو أصوات مثل صوت هذه الباحثة ضرورية لفهم ما يجمع المغرب وجزر الكناري: تاريخ مشترك، جوار لا مفر منه، وأفق تعاون واحترام متبادل.